جائزة الإمارات للرواية حدث ثقافي مهم، بقدر ماهو ضروري ومطلوب، وتستند الجائزة واقعياً إلى مفاعيل قوة مادية واضحة تتمثل في الأطراف الداعمة للمشروع، وأولها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، باعتباره رئيساً للمجلس الوطني للإعلام، وكذلك المنطقة الحرة للإعلام في أبوظبي، بإشراف دار كتَّاب للنشر، وهي دار نشر وطنية واعدة وطموحة، هذا في الشكل العام، أما في التفاصيل، فإن للجائزة أهدافاً تسعى لتحقيقها بلا شك، عبر اتخاذ الرواية رافعة أساسية تنطلق منها للوصول إلى جموع الكتاب الإماراتيين الموجودين على الساحة، أولئك الموهوبين الذين لم تسنح الفرصة لهم بعد ليشقوا طريقهم كأصوات جديدة عبر الكتابة الإبداعية، وتحديداً كتابة الرواية القصيرة منها أو الطويلة! فيما يخص الجائزة، هناك العديد من المسائل التي لم تثرِ في المؤتمر الصحفي الذي أطلقت الجائزة من خلاله، المسائل التي تقع ضمن دائرة اختصاص النقاد والمهتمين بتطورات الحالة الثقافية والأدبية تحديداً، وأولئك المعنيين بجنس الرواية وفضاءاتها واشتراطاتها، والملمين دراسة واستقصاءً بظروفها في الإمارات، وأصواتها وتجاربها وتطورها خلال العقود الأربعة الماضية! بلا شك، فإن في الإمارات تجربة إبداعية حقيقية، ظهرت بشكل واضح في سنوات الثمانينيات عبر أصوات شابة واعية وناضجة، لقيت الكثير من الاحتفاء والاهتمام من قبل النقاد والكتاب العرب الذين تناولوها بالدراسة والنقد والتحليل، وكانوا يومها يكتبون في صحافة الإمارات، أو في الصحافة العربية بشكل عام، ولعل الإصدارات التي أطلقها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في تلك الفترة لا تزال تجد تقديرها الخاص لما مثلته، ولا تزال تمثله تلك التجربة من نضج حقيقي، ولما تمتعت به تلك الأصوات القصصية من عمق في تعاطيها مع قضايا المجتمع عبر هذا الجنس الأدبي (القصة القصيرة أساساً والرواية استثناءً)! معظم تلك الأصوات انزوت واكتفت بتجربتها تلك، كثير من تلك الأصوات لم تكمل المسيرة لأسباب، بعضها موضوعي وبعضها شخصي، لكننا بالفعل خسرنا جريان رافد ثقافي مهم انقطع عنّا، فلم ترتوِ الأرض الأدبية منه بما يكفيها، ولم ينتهِ إلى مصبِّه فيراكم طمياً ضرورياً يقود إلى تأسيس فعل إبداعي متواصل، كتجربة تولد أصواتها وتفرز توجهاتها وأطيافها بشكل متنام، وبانقطاع تسلسل التجربة فقدنا أمراً مهماً جداً وضرورياً، فيما بعد احتشد الجميع في مشاريع البناء والعمران والعقار والأسهم والتجارة والوظيفة، ووضعت التجربة برمتها في الزاوية بركن قصي، ثم يبدو أنه في وسط المعمعة نُسيت لبعض الوقت! اليوم، وكأني بالكثير من العواصف قد هدأت، وكأن سلم (ماسلو للحاجات) قد تمثل لنا واضحاً، لقد حققنا المطالب التنموية الضرورية والمبدئية، وحان الوقت لنلتقط أنفاسنا كمجتمع وكمبدعين وكمثقفين، فظهرت أصوات كثيرة من الشباب المثقف، والذي عرف طريقه نحو القراءة، فصار يقرأ ويقارب ويقبل ويرفض فيما يقرأ ويعايش، بدأت هذه الأصوات تكتب، وقلة منها اتخذ طريقاً صعباً وواعياً في كتاباته، حيث رفض القوالب والأحكام الجاهزة، وهذه البلادة السمجة في قبول الجاهز والفرجوي، مبتعداً عن الكتابة المصنوعة للزينة والتبجيل واستقطاب الشهرة والأضواء بهدف التكريس لا أكثر! ... يتبع... ayya-222@hotmail.com