صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

العويد
أخبرني من كان يكبرني، بأن رجلاً جاء مرة، وفي يده عود شجرة سدر غرسه في طرف بيوت الطين التي تجاور النخيل·· وذهب·
قالت الناس: ما هذا العود اليابس؟!
آخرون استصغروه وقالوا: ما هذا العويد؟!
تزوجت صبايا، ورجالهن عادوا يعملون في قوات ساحل عُمان، حبلن ورزقن بأولاد وبنات، بدأوا يتأتؤون·· يمشون، يلعبون، تحت ظل شجرة صغيرة، النساء حين يذهبن يملأن جرار الماء،
يقلن: كبر العويد··
والرجال حين تتبدل سراياهم وكتائبهم، ويستقرون يقولون: والله كبر·· العويد·
السدرة الكبيرة التي تسكن المدرسة النهيانية القديمة، وجدت وليفاً يكبر كل يوم·· والعجائز اللائي يراجعن مستشفى كندي القديم يجلسن، يُبرزن تحته، يعرضن بضاعتهن، من براقع وعطور وأدوية شعبية، يملأن المكان حكايات وثرثرات لا تنقطع·
الأطفال والفجر جزء من عتمة الليل، كانوا ينهضون، لالتقاط نبق العويد، يملأون به جيوب ملابسهم المدرسية، حمارة خميس بن جمعة، كان العويد مرصغاً لها، والصبايا كانت مراجيحهن تتدلى من جذوعه، صار العويد شجرة كبيرة، يستظل تحتها الناس، وسيارات الجيش الكبيرة، والعابرون بقوافلهم، غدت ساحته التي يحجب عنها شمس العين الحارقة مرتعاً للعب الصغار·· لذبائح الضيوف، ومراجل الأعراس، ومن أغصانه كانت العصا المحببة عند المطوع!
انهمر مطر وجرى سيل، وطبلت وديان، وهو باق، كان يثمر كل سنة، طعم نبقه لا يرقى لسدر الزخمي لكنه يثمر ويظلّ، وتتمدد أغصانه بحنو على بيوت الطين التي بدأت تهرم·
الكل·· صغير وكبير يقول: أنا أذكر العويد من استويت لكنهم لا يعطونك عمره·
فجأة، شدت البيوت رحيلها، بيتاً·· بيتاً، بعضها استقر في المعترض، والبعض في عود التوبة·· وأخرى في الكويتات، وأهل الساحل الذين كانوا يحضرون كل صيف ما عادوا يأتون·
ظل العويد وحيداً إلا من غريب يأتيه من حين إلى آخر، ينعم بنومة الضحى المسكرة، أو بعير يستطعم ورقه الذي بدأ في اليبوس·· والعجائز اللائي كن يبرزن تحته، استطيبن المكيف أو فصلن عن العويد بطرق وجسور وسيارات تجلب لهن الدوار·· ذهبت القوافل التي تمرح في ظله، وأشقياء الحارة، التهوا بالسيارات وهواتفهم، ورحلات الشتاء والصيف·
بقي العويد وحيداً·· الآن هو بقايا شجرة هرمة كبيرة، والنخيل التي تجاوره بدأت بالكاد تخرج رؤوسها من الأسوار الأسمنتية والساحة التي كانت خضراء بحركة الناس ودبيبهم، أصبحت الآن يباباً، إلا من سيارة بلدية، يسرق سائقها ساعات من دوامه تحتها، والحارة التي كانت تذرعها أقدام الرجال والنساء والأطفال، أصبحت الآن كالرأس الحليقة، بقي العويد وحيداً، تساقطت جدائله الخضر ونبقه تيبس في أمهات غصونه، والوجوه التي كانت تناظره كل يوم غيبتها الحياة، أصبح وحيداً ·· وبدأ الشروع في الموت·
amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء