لم يكد العراق ينهي صرخة النجاة من نار الماضي، حتى تنبعث ألسنة نيران وهوان وأحزان وأدران، تتلاحق فيها ملاحم الموت والفناء والعبث العقائدي، الذي حوّل بلاد الرافدين إلى أكثر من نهرين، يكتنزان بالدم والأجساد الممزقة، والطوائف المتفرقة والعقائد الغارقة في الأنا العصبية. لم يكن بوسع أي كائن كان أن يرفع غطاء الكبت الثقافي عن هذا البلد، فالمسألة لا تتعلق فحسب بتغيير نظام فرد، ليحل محله أفراد، يحملون الموروث الثقافي نفسه، ويتعلقون بالحب الأول نفسه، حب الذات ورفض الآخر، بحيث تبقى الكرة تدور في الدائرة نفسها، ولا مجال للتخلص من داء الإفناء إلا بالتحرك باتجاه الحرية الذاتية أولاً، والانعتاق من صهد التورم والتبرم والتأزم، والاكتئاب السوداوي. العراق لا يخرج من بؤرة الخطر، لا يخرج من حفرة النار، لأنه مجرور بكسرة الماضي، مكسور بحرقة الذين طوقوا الوطن بحزمة آفات تنخر العظم وتنهش اللحم، وتلقي بالبقايا لنوايا ما بعد الفراغ، والله وحده أعلم، بما تخبئه الأجندات الطائفية، وما يدسه في نسيج هذا البلد الذي علّم وكلّم وأنعم ولم يجن شعبه المسكين من تلك الحضارة الأسطورية العريقة سوى رموز تطفو على السطح كأنها الزبد، ويا ترى هل يذهب جفاء؟. يستطيع العراق أن يفعل ذلك، وأن يقفز الغزلان للحقول، ويستطيع أن يستعيد ذاكرته الذهبية، ويستدعي جل مقوماته، إذا تبوأ الشرفاء المشهد، وبادروا في الفعل والتفاعل، وجاهدوا من أجل تخليص الشجرة من أوراقها الصفراء. العراق، بما يكتنز في أحشائه من مخزون حضاري، وموروث ثقافي، يستطيع أن يوقظ حمورابي، ويروي شرائعه من نهر الفرات، ليقود مرحلة التطوير بحرية من دون وصاية من قريب أعمى، متعصب أو بعيد أدمى العراق بالصدمات والعجب. العراق يستطيع أن يستيقظ لو أزاح ملاءة النوم الإجباري، ويذهب لطابور الصباح العالمي، بشفافية الفكر وعفوية العقيدة، وحميمية التوجه، يستطيع إذا خرج من شرنقة الذين يدسون رؤوسهم بالتراب، ولا ينظرون إلى أبعد من أخمص القدم، لا يرون سوى أنفسهم، وعباءة أحلام الفجيعة التاريخية المزعومة والموهومة. يستطيع العراق أن يتخرج من مدرسة العنف الطائفي، بدرس يكون عبرة من أنه لا طائفة ولا فئة مرتجفة يمكن أن تحكم هذا البلد، الذي صنع نسيجه من ألوان الطيف، ولا إله إلا الله الذي ساوى الناس جميعاً في الوطن الواحد، لينعموا بخيره ويعملوا من أجله، ويضحوا في سبيله ضد المهرجين وضاربي صدور الكذب، والحادبين في صحراء الوهم، والذاهبين بعيداً في عراء الفكر. العراق يستطيع أن يفك أزمته، بالوعي لا بالغي، بالانفتاح لا بنكء الجراح، بالحب لا بتصفية الحسابات الحزبية والطائفية، باعتناق أن الوطن فوق الأفكار، وفوق كل شعار، وفوق أسفار الذين يسافرون في المجهول، ويتركون المعلوم في حقيبة سفر ضائعة. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com