لنتفق أولاً ونحن نقرأ حديث كيسنجر على وجود احتمالين: أولهما أن يكون حديثه مجرد أمنيات تداعب قلباً سياسياً كبيراً عاش مفتوناً بعظمة أميركا، وبقدرة الذهنية اليهودية على اجتراح معجزة حكم العالم كله، ربما انطلاقاً من رؤى تلمودية بحتة، أو ارتكازاً على معطيات حقيقية تتمثل في أدوات: السياسة، والعسكرية، والمال، وضعف المحيط الإقليمي الذي لطالما اختُرق إسرائيلياً وبمنتهى البساطة! الاحتمال الثاني: أن يكون حديثاً واقعياً بالفعل، وأن الرجل لا يزال بحكم علاقاته الحساسة “مع كبر سنّه” يتحصل على معلومات من دوائر سياسية نافذة، إضافة لكل أدواته الشخصية، بحيث رسم لنا سيناريو الحرب الثالثة بكل هذه التفاصيل الدقيقة التي لا تنمّ عن خرف، بقدر ما تنمّ عن حذق ومعرفة حقيقيين. وبحيث أن أي مقاربة دقيقة بين حديثه والواقع تقود لترجيح كفة الاحتمال الثاني، لأن قراءة أي خطاب سياسي لا تدخل في مسائل غير موضوعية كالتفاؤل والتشاؤم، فالسياسة علم الواقع، وليس كتاباً لتفسير الأحلام؛ كي لا يظهر من يتهمنا بالتشاؤم! ستكون تلك الحرب شديدة القسوة، كما يقول كيسنجر، فإذا تأمّلنا فيما يجري في سوريا والعراق وليبيا وغيرها والذي لا يعدو كونه مقدمة للحرب وليس الحرب نفسها، يمكننا إذن تخيّل مدى قسوة تلك الحرب المنتظرة، التي ستحدّد نهاية التاريخ كما يريده كيسنجر لصالح أميركا وإسرائيل. حيث يقول كسينجر: “إن واشنطن تركت الصين تعزز من قدراتها العسكرية، وتركت روسيا تتعافى من الإرث السوفييتي السابق؛ ما أعاد الهيبة لهاتين القوتين، لكن هذه الهيبة هي التي ستكون السبب في سرعة زوال كل منهما ومعهما إيران التي يعتبر سقوطها هدفاً أول لإسرائيل”. مرة أخرى، نحن أمام أسطورة حكومة العالم التي ستكون بيد إسرائيل، من هنا فلا عجب أن تصلي إسرائيل لأجل نجاح الفوضى في تركيا، ولأجل استمرار الأسد في إكمال عبثية المشهد السوري، وطبعاً تأجيل أي عمل ضد إيران لحين الانتهاء من الملفات الأخرى في مصر وغيرها. لقد حققت العسكرية الأميركية هدف السيطرة على معظم دول الشرق الأوسط المطلوبة، أو هي في سبيلها إلى تحقيقه، وبقي حجر واحد يجب إسقاطه من أجل إحداث التوازن، وهو المتمثل في إيران. ولأن إيران حجر زاوية في بناء المصالح الروسية والصينية، فإنهما لن تقفا موقف المتفرج؛ وهو ما يفسر موقفهما المتصلب من الحالة السورية وإبقائها في منطقة اللاحلّ، رغم الحرج العالمي الذي تواجهه الولايات المتحدة وحلفاؤها فيما يتعلق بعجزهم عن وضع حد لما يجري في الشرق الأوسط! القضية إذن، ليست عجزاً، وليست كما تبدو في ظاهرها: قضية ثورة وثوار ودماء تراق وأبرياء يدفعون الثمن فقط، وليست نظاماً يقتل شعبه والعالم يتفرج لأنه غير معني. القضية في الدفع نحو الاصطفافات الكبرى المطلوبة بين طرفي حرب يمهد لها وليست إيران وحرب سوريا واللاعبون على أرضها وتنظيم الإخوان المسلمين والقاعدة وحزب الله والفتن المذهبية سوى أدوات في مرحلة التمهيد لتلك الحرب! في الحديث أيضاً، فإن إسرائيل مقبلة على شن حرب جديدة بكل ما أوتيت من قوة لقتل أكبر قدر من العرب، السؤال أين ستكون أرض هذه الحرب؟ سوريا؟ لبنان؟ أم.. مصر؟. سيحاول الروس والصينيون التدخل، لكن وقتها سيكون نصف الشرق الأوسط على الأقل قد أصبح إسرائيلياً كما يقول كيسنجر (سيناريو مكرر وموسع لحرب 1967)، وستصبح المهمة بعدها ملقاة على عاتق الجنود الأميركيين، المدربين جيداً على قرع الطبول ودخول الحرب العالمية الثالثة! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com