يمثل المطار للكثير من الناس نوعاً من الرهبة، والارتباك والتوتر والقلق غير المبرر، من دون أن يحدد الناس أسباب هذا الخوف، بالتأكيد المطارات العربية ودول أميركا اللاتينية، ونقاط الحدود فيها، هي الأكثر خوفاً من مطارات سويسرا أو الدول الإسكندنافية، ففيها تجد من يضيع حقيبته، أو ينسى أوراقه الثبوتية عند موظفة الاستقبال أو بائعة العطور في السوق الحرة أو من يفقد نقوده، ولا يعرف أين وضعها، رغم حرصه الشديد عليها، وعلى تذكرة سفره، وبعض الناس يستعملون لها حقيبة يد صغيرة مثل شنطة مكياج الزوجة، يظل يحوط بها، محتاراً أين يضعها، يراوح بها بين يده اليمنى أويطويها على رسغ يده اليسرى، هؤلاء يذكرونني بعودة المعار إلى بلدته لأول مرة، بعد سفرته إلى السعودية مثلاً، وقديماً كان كبار السن يلفون حول وسطهم “كمر”، يكنزون فيه أموالهم القليلة، إذا ما نووا السفر إلى العالي أو الحج، حيث تجد الحاج ملغماً وسطه بالنقود، لا يفارقه حتى عند نومه، وقد اتبع أحد الأحفاد طريقة الأجداد في حفظ النقود في زيارته الأولى لمصر، إلا أنه وقع فريسة النصب، وأرغم على المبيت في حرم السفارة من أول يوم وطأت أقدامه وعائلته بر مصر، ومن مصر جاء ذاك الفلاح البسيط، الذي خرج من الكفر قبل ثلاثة أيام، دوخة المودعين في القرية، وفراق الأهل والزوجة والأولاد، ووصاياهم الكثيرة، دوخة القاهرة والوصول إليها، وزحمتها، وربما مبيته في المطار لمدة يوم، لكي لا تفوته الطائرة، حسب وصية الأهالي في القرية، وصل صاحبنا مطار دبي، وهو واحد من مطارات العالم، زحمة وحركة، صاحبنا رأى الحقائب الكبيرة تمشي على نفس الخط الأسود الذي كان يمشي عليه قبل قليل، فركب مع حقيبته داخلاً تحت جهاز الكشف متعرضاً للأشعة، ودون أن ينتبه له ذلك الشرطي، الأمر الذي فاجأ موظفة الجمارك الشابة حين ظهرت لها على شاشة جهازها جمجمة بني آدم كبيرة تتحرك، وجهاز عظمي تدب فيه الحياة، فظهرت تلك الصرخة الأنثوية التي تختبئ في مكان ما في صدر المرأة، لقد شكل ذلك الراكب قلقاً لأجهزة المطار، واستنفر أجهزته، الأمنية والطبية، لتفتيشه وللكشف عليه، خوف تعرضه لبعض الأشعة الضارة، لكنهم تبينوا بعد الكشف أنه سليم معافى، حيث عزوا الأمر إلى الفطور كامل الدسم والمدمس الذي يتناوله مع فحل رأس البصل اليومي، وإلى تلك المعدة التي تطحن الزلط، وأكمل رحلته الثانية، ولا ندري إن كان تعلم من درس مطار دبي، أم أنه أقحم رأسه ثانية في خرطوم من خراطيم المطار الآخر. مهما سافرت، ومهما جربت الترحال، وكسبت خبرة التعامل مع عدة المطارات، وعتادها، ورجالها، يظل الخوف والرهبة يسبقانك للوصول إليه، ربما هو السفر إلى المجهول هو مبعث كل هذا القلق والتوتر! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com