كثيراً ما يلفت الانتباه أولئك الذين لديهم تلك القدرة على التلوّن والانتقال من موقع المنتقد إلى موقع المؤيد لدى الكثيرين، والانتقال للاتجاه المعاكس لو تطلب الأمر، فجأة يتحول لسان البعض إلى الحلاوة والطلاوة، بعد أن كان نابياً جافاً جارحاً. من الصور المضحكة اجتماعياً أن يمطرك أحدهم بوابل مدح، وللوهلة الأولى تظن بأنك لم تقف في حياتك أمام مرآة نفسك، وأنك «عنتر زمانك» ولا يشق لك غبار، وتكاد تصدق ما يقال فيك من مديح» نفاق»، وعندما تصحو مما أنت فيه من الصدمة، تجد ذلك المادح، أو «ماسح الجوخ» يبدو أشبه بمهرج يقول فيك ما ليس فيك، وإنما يكذب على نفسه أولا. وعليك ثانياً، يمدحك لغاية في نفسه، من مصلحة، أو غيرها، والأكثر غرابة أن هؤلاء مستعدون لتقديم وجبات المديح والنفاق لمن يريد بغض النظر عن شخصية الممدوح بطلب ودون طلب، حتى وإن كان هذا لا يطيقه البشر ولا الحجر! كثيراً ما يتحول المدح إلى نفاق وكذب، وقد حفل الأدب العربي بغرض المدح فكان منه ما يستحق أن يكون مدحاً حقيقياً للممدوح بما فيه من صفات محمودة، ولكن كثيراً من ذلك المدح كان تكسباً وبحثاً عن لقمة عيش، والبعض الآخر كان مجرد نفاق وضحك على اللحى. قال وهب بن منبه: إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك. ويقال: عجباً لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! ولمن قيل فيه الشر وليس فيه كيف يغضب! وأعجب من ذلك من أحمت نفسه على اليقين وأبغض الناس على الظنون! وقال أعرابي: كفى جهلاً أن يمدح المادح بخلاف ما يعرف الممدوح من نفسه، وإني واللّه ما رأيت أعشق للمعروف منه. قال ابن المقفع: إيّاك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حبّ المدح والتزكية. المتنبي: إذا استَقبَلَتْ نَفسُ الكريمِ مُصابَها بخُبْثٍ ثَنَتْ فاسْتَدْبَرَتْهُ بطيبِ وَللواجِدِ المَكْرُوبِ مِن زَفَراتِهِ سُكُونُ عَزاءٍ أوْ سُكونُ لُغُوبِ وَكَمْ لَكَ جَدّاً لمْ تَرَ العَينُ وَجهَهُ فَلَمْ تَجْرِ في آثَارِهِ بغُرُوبِ فَدَتْكَ نُفُوسُ الحاسِدينَ فإنّها مُعَذَّبَةٌ في حَضْرَةٍ ومَغِيبِ وَفي تَعَبٍ مَن يحسُدُ الشمسَ نورَها وَيَجْهَدُ أنْ يأتي لهَا بضَرِيبِ Esmaiel.Hasan@admedia.ae