هو السياسي المحنك ومستشار الأمن القومي، ووزير الخارجية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وهو أيضاً مهندس الخديعة الكبرى التي عرقلت انتصار العرب الكامل في حرب أكتوبر العام 1973، إنقاذاً لإسرائيل من هزيمة ساحقة يومها، إنه هنري كيسنجر الذي أنهى من عمره حتى مايو الماضي 90 عاماً، بالتمام والكمال، وقبل أن ينزوي تماماً أدلى بحديث صحفي نادر لصحيفة «ديلي سكيب» اليومية المحلية في نيويورك، كان عنوانه الرئيسي «إن طبول الحرب العالمية الثالثة تقرع في الشرق الأوسط، ومن لا يسمعها فهو أصم حتماً». الذين قرأوا التصريح من الأميركان خافوا وارتعدوا، فهم يعلمون معنى أن تندلع حرب عالمية ثالثة، طرفاها روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، فقد عاشوا مراراً تجربة الرعب حينما كانت جيوشهم تدق طبول الحرب باتجاه جهات العالم، ثم يبدأ وصول التوابيت العائدة بجثث أبنائهم يتوالى كما حدث في حروب فيتنام ولبنان والعراق وأفغانستان و... وغيرها!! أما الذين قرأوا تصريحه في عالمنا العربي، فقد استخف كثيرون به واعتبروه حديث رجل خرف لا أكثر، ولا أدري كم من الناس من اهتم لكلام كيسنجر «الخرفان»؟ لكن لنتأمل الحديث أولاً: كيسنجر يحدد مكان الحرب، إنها منطقة الشرق الأوسط ، وطرفاها أميركا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، فإذا نظرنا إلى خريطة الصراع اليوم سنجد أن الأحداث المتسارعة والتدهور الحاصل في الأوضاع الأمنية والسياسية، ينحصر تحديداً في الشرق الأوسط، باعتباره بؤرة صراع رئيسية يتنازعها طرفان، روسيا ومعها الصين من جهة، والولايات المتحدة، وخلفها بقية العالم من جهة أخرى! أما أدوات الحرب، فحسب كيسنجر، قامت الدوائر السياسية والاستراتيجية الأميركية بالطلب من العسكريين باحتلال سبع دول شرق أوسطية من أجل استغلال مواردها الطبيعية خصوصاً النفط والغاز، (ربما كانت: العراق، ليبيا، مصر، تونس، السودان، سوريا، إيران!!) لأن السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول (نظرية قديمة)، أما السيطرة على الغذاء، فهو السبيل للسيطرة على الشعوب. إن ما يجري حالياً (الاحتراب الطائفي في العراق، العنف الوحشي في سوريا، الاقتتال في ليبيا، الفوضى في مصر، الانقسام في السودان و...) ليس هو الحرب، إنما هو التمهيد للحرب العالمية الثالثة التي ستكون شديدة القسوة، بحيث لا يخرج منها سوى منتصر واحد هو الولايات المتحدة من وجهة نظر كيسنجر، الذي لم يقرأ على ما يبدو تراجع فوكوياما عن نظريته نهاية التاريخ والإنسان الأخير. لقد علَّمنا استقراء أحداث التاريخ الكبرى كالحربين الكونيتين الأولى والثانية، أن نهايات هذه الحروب لا تفرز منتصرين أبداً حقيقيين، الكل يخسر، وكل شيء يصير مدمراً على جميع المستويات، ما يحدث أن هناك عوامل ثقافية واجتماعية وجغرافية تعمل على وجود قوة تنهض سريعاً، وتعيد تدوير عجلة التاريخ من النقطة التي تقف فيها، أميركا تحارب دائماً خارج أراضيها وبقوة كاسحة، ودائماً ما يمول حروبها أطراف أخرى، ولذلك فهي تنتصر وبأقل قدر من الخسائر! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com