هذه المدينة الجميلة الساحرة المتربصة لكل ما هو جميل وحس راقي، هي مدينة الصمت التي يلجأ اليها المسافر حين تتأزم الحياة، وحين تفر من جذوة الوقت، تسير بأحلامك عبر مودتها وتصادفك كثير من صور التيه والشرود الذي ينم عن الهدوء.. هي مدينة خالدة ومحفزة يلجأ اليها من يريد.. أسوارها شفافة عاشقة للشمس، ونوافذها الجميلة مطلة على الزرقة المتراقصة بأمواج الزهو لتشرع النفس أمام سفن واجمة مبللة، قبيل أن تخوض عباب الترحال المجلجلة بنسمات البحر الهائمة.. مدينة تصفو على جناح المحبة والعشق، تترقب سحب اللذة وطواف المطر المنتظر، حينها لا يكف الغمام عن معاصرة نبيذها الماطر في خلو البهجة منتشية بشهوة مشرئبة ما بين الأرض والسماء، هي رغبة الحدائق والمروج والسنابل للحياة. للمدينة حياة رحبة، ونجوم لامعة، وليل يتقلد نجوم نافذة لا يراها سوى الصامتين العاشقين، هم آتون إليها من كنوز التاريخ وامتداد الجغرافيا تحفهم أساطير مكدسة بقصص العشق والهيام، يلفهم الزمن عبر رداء لا تعرفه سائر المدن، تبثهم نحو طرقاتها الخيالية المتدثرة بالأفكار.. هي عابرة بهم من سياقات الخوف الى هدوء السكينة، فما أروع مدينة الصمت حين تتجلى بنسق الفكر وتنزوي بك جالسا في أحد مقاهي عالمك الصامت الجميل، لا يشبه الضجيج من حولك.. مكان لا تعنيك فيه أبواب المكاتب ومداخل المباني ولا رفوف الطوابق ولا سلمها المتحرك.. لا تعنيك خيالاتهم الفاترة ولا أصواتهم المكدسة بالضحكات أمام الصباحات.. لك خارطة الزمن وفصول الكتب، فما يعنيك قلمك عاشق الصمت والهدوء والقرطاس الذي يشبه أوراق الربيع البيضاء.. قلمك رأس الرمح تنطلق منه الفكرة لتجيب سريعا على تساؤلات موجعة شهب الكلمات على ناصية التجلي رونق الفصول ومهبط الزمن. من لا يعرف مدينة الصمت لا تكتمل عنده الصور الجميلة، فهي مدينة الحياة الحقيقية التي تقلد الإنسان متعة الفكر والبحث في خبايا الوجد وخزائن دروبها وكمائنها، حيث تتجلى الرؤية المتمكنة الى أبعد حدودها.. هي قراءة في الوجود المتصل بالبحث عن الطموح والشروع نحو النقاء والصفاء، فحين تغلق المسافة البعيدة على زهرة الأحلام، حين تهيم الروح بعطرها نحو منزلة الشروق يصبح لمدينة الصمت مذاقا آخر يتجدد في الذات الشاملة الخاشعة المطمئنة لقدراتها المتعددة، فالوجود هو الذات التي تشق لحنها على كل أطياف الحياة المقبلة على صفحة النسيان والراغبة في نبذ الألم واللجوء الى الخلود الفكري الطامح عبر مدينة الصمت الجميلة المتجددة. من هذه المدينة ينطلق الصباح في تروي وخشية وهدوء وزغزغة فرح تلجم الضوضاء الراهبة، تحلق عصافير الروح فرادا، تشرع في التأصل نحو الحياة حذرة، تخطو نحو مجرى الماء السلس اللطيف الذي يسير ملتويا لا يعبأ، يدس في الرمل صوته لينبش بقايا دفنت ليحرك مساراته على اتجاهات حالمة ودارجة تحت الشمس.. هي العصافير وحدها ترفرف على مدار الصمت تنقر لذة الوجود بصوتها الرحب.