يتصدى الناقد والأكاديمي حسن مجاد في كتابه “ما وراء القص في رواية ما بعد الحداثة” لموضوع جديد في السرديات، والسرديات السيميائية بوجه خاص، هو السرد القائم على وثيقة، أوالمتضمن لمتون مساعدة، يختار له الكاتب في الإجراء مصطلح (ما وراء القص) ملاءَمَةً للمفهوم الذي ينتقيه، بعد مناقشة مستفيضة للدراسات السابقة، القليلة، في هذا المجال عربيا، رغم أن الروايات خاصة والسرد عموما استعان بهذه التقنية التي تنوب فيها عن الرواية رواية أخرى، تتولد من العثور على كتاب أو مخطوط او رسالة، أو ينوب حكّاء أو راو آخر للحديث عن الرواية داخلها وهو الكاتب أحيانا أو قرين معادل له، ذلك يشجع على اختيار السرد أو القص المتضمن موضوعا للبحث والاستقصاء النقدي. فهو نوع من التناص الداخلي الذي يؤثر في وجهة النظر أو نقطة التبئير وفي سير الاحداث وافعال السرد والشخصيات والمصائر والدلالة. في هذا الاشتغال يختار الباحثُ التاريخَ لبلورة الصلة بالواقع لا بالرجوع إليه كماض ذي وقائع وأحداث. هنا يصبح حضور التاريخي تعميقا لرؤية الواقع، وهي تطوير أو تعديل لمفهوم رؤية العالم؛ فالرواية ـ بمفهوم الباحث وكما تشي اختياراته ـ هي تمثيل للتحولات في الواقع. والعودة للتاريخ سردياً، كما في روايات عبدالخالق الركابي موضوع الدراسة في الجانب التطبيقي من الكتاب، ليست هروبا من الواقع بل من الواقعية كأسلوب سردي ورؤية ترتهن بالخارج كمرجع تحاول محاكاته. ما يتطلب تغير موضع الكاتب والراوي معا وعلاقتهما بالشخوص والمرويات التي تحضر لتغير أفق التلقي أيضا. فقد قدمت نظريات ما بعد الحداثة مبررات كثيرة لهدم العلاقة بين المتخيل والروائي وبين التاريخ والقص ما يمهد لبناء متون سردية، لا تخلو من اللعب الشكلي الذي يعيد الباحث جذوره للرومانسية ورواياتها الأثيرة، حيث المؤلف مهيمن على السرد وحاضر بطرق مختلفة في مركز السرد وبؤرته مما يقف عندها الباحث ليدلنا في المحور التطبيقي على تمظهراتها في السرد الروائي العراقي، وفي تجربة الركابي خاصة، وما تحقق في اعماله “الراووق” و”سابع أيام الخلق” و”سفر السرمدية” و”أطراس الكلام” ويقارنها بأعمال أخرى تحاول بناء نص مواز يشتغل داخل العمل وفوق متنه المرسل. لقد انجز الكاتب حسن مجاد بحثا متضام الوحدات لا يغرق في التنظير ولا يغريه التكثير الاصطلاحي والتجريد النظري الذي اصاب كثيرا من الدراسات السردية مؤخرا، بل يأخذ القارئ نحو رؤية ما يتحقق سرديا ويتغير بفعل الممارسة الماورائية او المتضمنة داخل السرد، ومدى تأثيرها في الملفوظ والدلالة والحدث وما يترتب عليها من صلة بين الكاتب وعمله وكيفية حضوره فيه. وهو عمل يمهد لدراسات مشابهة في الحقل ذاته تستكمل الرؤية، وإمكاناتها في تطبيقات متنوعة تشجع عليها اكتشافات الباحث، وكدّه النظري المعزز بالتطبيقات والتحليلات المنبئة عن حدة الملاحظة، وتعقب جماليات المتون، وكشف بناها المشتغلة تحت طبقات السرد الظاهرة.