برائحة القهوة كان فنجان عبدالله عبدالرحمن يفوح عطراً، فيسافر في النسيج رافعاً شراع الانتصار، لحدقة الصحراء، للرعيل الذي بث الصهيل، نشيداً إماراتياً، تلونه الحناجر بالحب. فنجان قهوة «مقند» بحبر الهوى، وقافية الذين اقتفوا الأثر بخطوات نحتت في القلوب مشهد الحياة، ومعبد الانتماء للرمل والأمل، ومقل النوق الهاتفة، توقاً وشوقاً وعشقاً ونسقاً وتعلقاً وقلقاً وطَرْقاً وطُرُقاً. فنجان قهوة، أغرق عبدالله عبدالرحمن برائحة الطيب الصحراوي، وغسل يديه بيراع الاتساع بدءاً من نطفة الرمل، إلى جنين الصحراء، إلى فحولة الذين نقروا الحصى، بأقدام الطموح الأبدي، بإقدام الجموح اللامتناهي، بفلسفة التوهج والتعرج في تلافيف الجغرافيا، والتهجد في تجاويف التضاريس الكريمة. فنجان قهوة عبدالله عبدالرحمن، لغة في صميم الكتاب المفتوح، كتاب يذهب بالمعنى إلى حيث تعشوشب الذاكرة، وتورق أشجار القلب وتزهر بساتين الروح، وترفرف أجنحة الأفذاذ، مظللة رؤوسنا بأحلام شاهقة الفرح، وأيام باسقة تترقق أقدامها، كأنها الزلال في بيضة الحياة. فنجان قهوة عبدالله عبدالرحمن يشتق من اللغة بلاغة ومن الوعد نبوغاً معرفياً قيمياً، ويضع المدنفين أمام ناصية التأمل، فراشات تقطف من كل زهرة رائحة، ومن كل حقل لوناً. عبدالله عبدالرحمن، هذا «الصاحي» العتيد في معبد الكتابة، يخض الكلمات خضاً، وحض ذاكرتنا لأجل صحوة بعد غفوة، لأجل انتباهه باتجاه المعقول، لأجل نباهة تستعيد للعقل مكانة الصحراء، ورزانة الأوفياء، وأمانة النبلاء والفرسان، الذين ركبوا جياد البحر، وامتطوا سفن الصحراء، بأسئلة تتسع الوجود، بأحلام لم ينضب معينها، بدموع غسلت غبار الرمل، لتثمر الأشجار تفاحة بني آدم، والنخلة العذراء برطب جني. عبدالله عبدالرحمن، هذا المنعم بذاكرة المكان، بفكرة الإنسان، بعبرة الأزمان، بسجل مديد ثري لا يطوي سجادته، فمحرابه غني بتلاوات العشاق، ومن جاشت أفئدتهم بأشواق الطير، واتسعت أحداثهم لتسكن التاريخ فصولاً، وأصولاً، وهطولاً، وعلى أريكة التعلق في المكان، رسموا اللوحة، من بحر وصحراء، من فجر واكتواء، من قدرة تفوق قدرة الجبال والبحار، والنجوم والأقمار. عبدالله عبدالرحمن وضع جدائل الكلمة على كتف الذاكرة، ليلون بالحب دروبنا، ويزخرف باللهفة قلوبنا، ثم يذهب بنا بعيداً، بعيداً، عند شواطئ من نحتوا البحر بأنامل الإرادة، ومن نقشوا الأرض بريشة الآمال العريضة ومن طوَّقوا التاريخ بقلائد الجمال الروحي، ومن نسجوا حرير الأمل في عيون من سيأتون من بعدهم. عبدالله عبدالرحمن كتبت وأسهبت، وأجزلت وأنعمت، فعسانا نقرأ بعناية ودراية، ما أنشده المخلصون. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com