سورية تبدو حاملاً، والزوج ببدلته الرياضة القديمة، وبشبشب جلدي صناعة حلب، يتقدمها بخطوات ساحباً ابنه محمد معه، وكيس نايلون. مواطن يتحدث في الموبايل، وزوجته وراءه تفكر بسندويتش شاورما يعوضها المشي على الكورنيش، وعيالها يتعاركون مع بعضهم بعيداً عن عينيها الشاردتين. هندي مرتبك، ويربك العالم معه، بشق صفوف المارة تارة، وبتردده نتيجة تأمله في الوجوه تارة أخرى، تشفق عليه من العثرة. فلبينيتان تمران مر السُحب، لا ريث، ولا عجل، تتبعهما ضحكاتهما التي تشبه أول الشهر. ثلاثة شبان من شمال أفريقيا بلباس البحر، حتى في الليل المتأخر، يهذران بصوت عال أجش له طبيعة التبغ الحار. أوروبيات بلباس خفيف يطيره هواء البحر، غير عابئات كثيراً بالعيون التي تتفحصهن، متوحدات مع أنفسهن بحديث يكاد يسمع. خان من بقايا المرحلة القديمة، بلباسه التقليدي ذاهبا لشاحنته المتوقفة هناك، أم خمس ركاب، وحمولة ثلاثة أطنان، يبدو أنه لا يعترف بالمدينة، ولا المدينة تريد أن تتقبله الآن. أوروبي بدراجة هوائية خفيفة، يمرق سريعاً، مواصلاً سيره البعيد إلى جهة ما. قطبة نساء بعبايات سوداء، يملن للسمنة، بأحذية رياضية تبدو غير مريحة للناظر، وجهد واضح لتخفيف الوزن، مع لهاث يكاد يسمعه المارون. شاب أسمراني رياضي، يمشي براحته، ويفكر بأمنيات بيضاء تسرّ قلبه. اثنان من المعضلين بفانيلة بيضاء ربع كم، وصاكة على الجسم، تكاد تفصلّه للمارّين، ومتخذان مساحة أوسع من الاعتياد لمشي اثنين من بني آدم. مصريان يتحدثان بصوت عال، يكاد المارة أن يلتقطوا شيئاً كثيراً من حكايتهما التي تتبعهما لآخر الرصيف. شخص يصر أن يعبر أمام الإشارة الحمراء، وفتيل سيجارته مشتعلاً، يوزع عوادمه في وجوه من خلفه من العابرين. رجل يسحب شنطة سفر، ليس موقعها بالتأكيد شارع الكورنيش، لا تدري أين سيكون مبيته هذا المساء، أوحى لك كم هي رطبة غرفته التي تركها للتو. شباب أجانب يعبرون بزلاجات مدولبة، يتمسك بعضهم بعمود الإشارة، ثم ينطلق، والفتيات يتماسكن بالأيدي ثم يقفزن الرصيف بانزلاقة أنثوية هاربة. عجوزان في بداية خريف العمر يعبران الإشارة على مرحلتين في صمت، يتعكزان على الهمهمات التي لا يفهمها أحد غيرهما. أنا.. حين ختمت التأمل، حاولت أن أعبر مع آخر العابرين، فأوقفتني الإشارة الحمراء بغمزة من عينها. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com