أن تقف مؤسسة ثقافية وطنية كبيرة بحجم هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، خلف مشروع كتاب (الإمارات في ذاكرة أبنائها) الذي كان في الأصل مجموعة من اللقاءات الصحفية المنشورة في صحيفة الاتحاد خلال الثمانينيات، مع رجال ونساء من مناطق مختلفة من الدولة، سجل فيها الكاتب والصحفي عبدالله عبدالرحمن، تفاصيل الحياة في الإمارات في فترة مبكرة من عمر الدولة، حفظاً لذاكرة هؤلاء، وصولاً لحفظ ذاكرة الإمارات كلها، إن هذه الوقفة تستحق التقدير، كما يستحق العمل كل ذلك الاحتفاء والدعم اللذين قوبل بهما منذ بدايات تبلور فكرة الكتاب، إلى أن تم إطلاقه صباح أمس الاثنين في منارة السعديات، وسط تظاهرة ثقافية قلّما نحظى بمثلها! يستدعي مؤلف الكتاب الزميل والباحث عبدالله عبدالرحمن في كتابه بأجزائه الثلاثة، شكل الحياة الإماراتية قبل نحو مائة عام من اكتشاف النفط، عبر حوارات معمّقة مع رجال ونساء كبار في السن عاشوا في مختلف إمارات ومناطق الدولة، وتوزعوا على مهن واهتمامات ومجالات عدة، ما أعطى العمل عمقاً واتساعاً حقيقيين، فالمؤلف لم يوثق الحياة الثقافية فقط أو الاقتصادية فحسب، ولم يمر مرور الكرام وبشكل سطحي على الحياة الاجتماعية كما يفعل كثير من الصحفيين- للأسف - لكنه تتبع كل التفاصيل بنَفَسْ باحث واهتمام إماراتي مهجوس بذاكرة وطنه، وحريص عليها خشية الضياع والنسيان، عندما سيذهب هؤلاء الكبار إلى عالم الموت والنسيان، لذا بدأ مشروعه مبكراً ومبكراً جداً، وخيراً فعل. عندما كان عبدالله الصحفي المهموم بهذا الجزء من تكوين بلده (الذاكرة)، يجوب الدولة ويجلس إلى التاجر والمعلم والمثقف وصاحب المشروع الإعلامي والمزارع ومعلم القرآن، وذلك الذي امتهن الغوص والتجارة والأسفار وغيرهم، فقد كان غيره منشغلاً باهتمامات وهواجس أخرى، ولم يكن تسجيل الذاكرة الشفاهية يشكل ذلك الهاجس الحاضر والمُلح كما كانت لدى عبدالله، وربما لدى بعض المثقفين الآخرين من جيل عبدالله، جيل الوعي الذي كان يعيش الثمانينيات وينذر إلى أبعد مما كان في تلك الأيام، أبعد من اليومي والمعاش والاعتيادي، لقد شكّل الوعي حقيقة نظرة هذا الجيل واهتمامه وحرصه على حفظ الذاكرة، وجاء اليوم الذي تقف فيه أجيال متباينة وقفة تقدير للعمل، ممتنة للباحث دأبه لإنجاز هذه المهمة الوطنية، ما يرشح العمل لجائزة وطنية ويرشح عبدالله عبدالرحمن لتقدير الدولة الخاص! ولأنه إنجاز وطني حقيقي، فقد نجح الكتاب منذ طبعته الأولى نجاحاً باهراً، ما يعني أننا في أمس الحاجة لمرجعيات أدبية موثقة من هذا النوع، خاصة ونحن نواجه تحديات على صعيد الهوية، كما نواجه تصورات جاهزة ومسبقة وغير صحيحة عن إنسان الإمارات بشكل عام لدى الآخرين، من هنا اعتبرت «أبوظبي للسياحة» دعم الباحث والكتاب معاً مهمة وطنية بالدرجة الأولى، بقدر ما تتقاطع مع رسالة الهيئة وتوجهاتها الهادفة لإثراء المكتبة بمختلف المواد والمراجع التي تدعم حفظ التاريخ الاجتماعي، ودعم عملية تدوينه والبحث فيه، وكذلك دعم الباحثين لتوجيه اهتمامهم نحو منطقة لا تزال بكراً فيما يخص هذا النوع من الدراسات البحثية والإبداعية (فن القصة والرواية والمسرحية تحديداً). إن الاحتفاء الهيئة والمثقفين في المجالات كافة صباح البارحة بهذا العمل، هو في الحقيقة احتفاء بالذاكرة الجمعية للإماراتيين، وفرح حقيقي بأن سخّر الله لهذه الذاكرة حراساً أمناء من أبنائها، كما سخّر للإمارات كلها من يصنع حاضرها ويحرس مستقبلها بوعي الوحدة وعزيمة الاتحاد. عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com