قد تبدو القصة شائكة مثيرة، فالمجتمعات العربية ترفض الاعتراف بوجودها وتتجاهلها اللهم إلا من أصوات وحيدة متفرقة هنا وهناك تحاول إلقاء الضوء عليها كنوع من التنبيه والتوعية ودق نواقيس الخطر، خصوصاً لتوعية الأمهات والفتيات، غير أننا لو بحثنا جيداً لوجدنا قصصاً مشابهة في مراكز الدعم الاجتماعي وأقسام الشرطة وفي حالات كثيرة تبقى قصصاً سرية لا يعرف عنها أحد، إنها قصص ما يعرف بـ”البويات” وما أدراك ما “البويات”، خطر كبير وشر مستطير. أورد هنا قصة إحداهن من أجل العبرة ليس أكثر، فقد حدث ما حدث ولا مجال للإصلاح الآن بعد أن “وقعت الفأس في الرأس” كما يقولون. فبطلة قصتنا تقبع اليوم في منزلها كسيحة على كرسيها المتحرك تجتر آلامها وأحزانها وندمها بعد أن حدث ما حدث، فلم يبق لها سوى الذكريات، وهي ترى بقية الفتيات يركضن ويلعبن والسعادة تملأ حياتهن وربما تزوجن وأنجبن، تعض أصابعها ندماً عندما تتذكر تلك اللحظة التي دخلت قلبها دون استئذان في أول لقاء جمعهما، فهي زميلة دراسة محبوبة من الجميع وهي جميلة وخفيفة الظل، قالت لها إنها تحبها، وإنها لا ترى غيرها في هذا الوجود، أغرمت بها لدرجة أنها لم تعد قادرة على السيطرة على مشاعرها، ولدرجة أنها لم تعد قادرة على العيش من دونها أو بعيداً عنها أو أن تراها مع صديقة أخرى. تجاهلت مخاوفها من أن تكون الحالة ليست طبيعية، فالفتيات يتآلفن ويحب بعضهن بعضا، لكن ليس بهذه الصورة التي تجعلها تشعر وكأنه حب لفتى وليس لفتاة. في المقابل، كانت الصديقة غير عابئة بالأمر وتعتبرها مجرد صديقة وزميلة كبقية الزميلات، الأمر الذي كان يجرحها ويسبب لها آلاماً لم تعد قادرة على احتمالها لدرجة دفعتها لمواجهة صديقتها لتطلب منها أن تكون صديقتها الوحيدة وأن تكون لها وحدها فقط. غير أن الصديقة رفضت الأمر من أساسه، فهي تعي العلاقة الطبيعية من الشاذة، وسخرت منها وطلبت منها الابتعاد، مما فجر نزاعاً أرادت بطلتنا أن تحسمه بأن وهبت نفسها لصديقتها حتى الموت وإلى الأبد، غير أن الصديقة ضحكت وسخرت من الأمر لدرجة أنها طلبت منها أن ترمي بنفسها من النافذة لإثبات مدى صدق حبها. ففعلت المجنونة المسكينة ورمت بنفسها من الطابق الثالث لتقع على الأرض مغشياً عليها مضرجة بدمائها، وينتهي بها الأمر في غرفة العمليات لتخرج بعد رحلة علاج طويلة على كرسي متحرك يعتصرها حزن دفين وألم وندم وحب مجنون شاذ. bewaice@gmail.com