صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر- 1

ناصر الظاهري

من المشاهد التي أتوقف عندها في المدن أو تجبرني هي على التوقف، مشهد الفقير، والمعدم، والمسكين والدرويش، والمعوز، ومجنون الحارة، وسكير الحي، هؤلاء جميعهم يجمعهم الفقر، وقصص الحياة، وأتساءل عن أول فقير على ظهر هذه البسيطة، وما صفات آخر فقير عليها؟ مسألة الفقر نسبية، وتختلف من مكان أو زمان لآخر، لكن هل الأصل في الأمور والأشياء هو الفقر، والغنى أمر لاحق؟ ربما، والإنسان وحده يدّب على تلك الأرض اللينة في أولى خطواته التي يرى فيها أثره، كانت يومها المعادلة متساوية بين الفقر والغنى، فقير للوحدة، وقلة الإمكانيات، فقير للتجربة، وفي الوقت نفسه غني، فكل الأرض مشاع له، وكل الأمور طوع يديه، والأرض رحبة له، ولا محدودية للتملك، متى بدأ خط الفقر وخط الغنى يظهران؟ أول ما ظهرا حينما عرف الإنسان الأنانية، والغيرة والحسد، وعرف حب التملك، وعرف كيف يقتل، بعدها من كان يملك قطيع ماشية، كان غنياً بعرف ذاك الوقت، ثم أصبح من يملك سلاحاً يحارب به ويصطاد به، ولديه كهف هو الغني، ثم جاء زمن يميز فيه الغني عن الفقير بمقدار ما لديه من القوة والسلطة، والنساء والذرية، ثم اختلفت الأمور بتغير الزمن فغدا الغني الحقيقي من يملك السحر، وسطوة الدين، وما يبثه في نفوس الناس، من ترغيب أو ترهيب، حتى استأثر بمأمورية الحاكم بأمر الله، ثم تطور الإنسان في بعض الحضارات، فصار الغني من لديه المعرفة والحكمة، والفقير هو الجاهل، من هنا انقلبت الموازين من جديد فصار الغنى المادي والغنى المعنوي، لكن اكتشاف المعادن، والتخلي عن المقايضة، وسك النقود حصر الغنى في المال، والفقر في العدم، وجاء الفلاسفة والأنبياء والمصلحون والمرسلون ليجعلوا موازنة بين من يملك، وبين من لا يملك، بين الخير الذي يؤدي للسعادة، والشر الذي يؤدي للحرب، وجاء فلاسفة متأخرون عدّوا المادة هي أساس الأشياء، وجدلية التاريخ، وفي وقتنا الراهن ظهر ذلك التباين الكبير بين الغني والفقير، بين دول طافحة بالغنى، ودول تحت خط الفقر، لذا الحروب اليوم مستعرة، ولا نُبلاء فرسان، ولا أطهار ينقذون الإنسان والحياة.
وأتذكر قصة من التاريخ، حين دخل «مقاتل بن سليمان» على «المنصور»، فقال له المنصور: عِظني يا مقاتل، فقال: أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال: بل بما رأيت.
قال: إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولداً، وترك ثمانية عشر ديناراً، كُفّنَ بخمسة دنانير، واشتُريَ له قبراً بأربعة دنانير، وَوزّع الباقي على أبنائه.
وهشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولداً، وكان نصيب كلّ ولد من التركة ألف دينار.
والله.. لقد رأيت في يوم واحد أحد أبناء عمر يتصدق بمئة فرس للجهاد، وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق! ونكمل غداً

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء