البعض يائس إلى حد البؤس، لا يتنفس إلا هواء المكبوتات الملوثة، فتجده عابساً يائساً بائساً، يرفض الأرض، في حالة هذيان وعصبية هستيرية ويقول: يا أخي أنا حظي منحوس.. العبوس، ونغضن الجباه، سمة من سمات العدمية، القابضة والرابضة والمناهضة للحياة.. اليائسون، صنف من صنوف الخنفساء التي إذا أرادت أن تموت تنزوي، وتعطي ظهرها للنمل ينهش في عظامها حتى تتلاشى، وتذهب إلى العدم.. اليائسون يهدمون العزيمة، بأدوات النفس المنقبضة، المرضوضة تحت رحى الكبوتات، وعوامل التعرية الاجتماعية. اليائسون يخوضون معارك خاسرة مع الذات، وعندما تصل هذه النفس إلى مرحلة الموت السريري، يرفعون سبابتهم ويكيلون الاتهام، إلى آخر يختبئ خلف الستارة، ويوجه نيران عدوانه ضدهم، فلا يستطيعون رده ولا صده.. يقول الفيلسوف الإغريقي برانوغوراس، «الإنسان مقياس كل شيء في الحياة»، وإذا خابت نفس الإنسان خابت مقاييسه، ارتدى جلباباً غير جلبابه يصل إلى ركبتيه، فضاعت ملامحه، وتاهت أهدافه، وخاب مسعاه في الحياة. اليائسون يحلبون من ضروع ناشفة عجفاء رجفاء، فلا تفيدهم البعبعة ولا اللعلعة، هؤلاء كمن يحرث البحر أو يطلب من الصحراء القاحلة قطرة ماء أو رشفة حياة. اليائسون عقبة من عقبات الحياة، وحفرة الجحيم التي تحاول أن تجذب إلى حرقاتها السائرين إلى أهداف ومرامٍ أوسع من خطوات اليأس.. اليائسون غطوا في أحلام اليقظة، حتى بان الحلم الكاذب، فأجهض وخضخض ورضرض. اليائسون خارجون من نهر التأملات، العائدون من مغامرات عباس بن فرناس، الواقعون في حضيض الانكسارات والفقدان المريع. اليائسون، وضعوا أمام أعينهم جداراً سميكاً، حجب الرؤية والهواء والماء، فتقاعسوا منكسرين، ناكصين إلى مراحل ما بعد الفراغ المرعب.. اليائسون طوق أعناقهم الاكتئاب السوداوي، فأغلق النوافذ والأبواب، وصفد الأقدام والأيدي، حتى صاروا أشبه بحبة قمح تذروها الرياح.. اليائسون على سفر دائم مع الشكوى المطلقة، والنجوى التي تتجاوز حدود السماوات والأرض. اليائسون كفكرة ضائعة، في وعاء كون تتسابق فيه النجوم نحو الهاوية. اليائسون همسة تائهة أسكتها نعيق البوم، اليائسون قارعة طريق هجرها الناس، فاستوحت من الكآبة سؤال الوجود المُعتم.. اليائسون نقطة ضوء اختطفها عصفور الأمل المبتور.. اليائسون ابتسامة ضلّت طريقها فانحدرت في جرف هار. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com