هناك أمور لا تقبل القسمة على اثنين، كالإيمان مثلاً: هل يمكن لأحد أن يؤمن بإلهين؟ بعقيدتين؟ ذلك لم يحدث أبداً، وحين حدث كان ذلك نوعاً إما من النفاق وإما من التقية، كما أنك أمام الدين لا يمكنك أن تتجزأ أو تتشظى، فأنت إما مسلم أو مسيحي أو يهودي لا يمكنك أن تدين بدينين أو تتبع عقيدتين، ومثل الإيمان والدين فإن الولاء للأوطان لا ينقسم على اثنين، ولا يتجزأ كما لا يقبل المزايدة، وأنبل الأوطان هي تلك التي تمنحك أمانك وهويتك فتكون مظلتك وعائلتك وثقافتك وطقوس يومك، أيمكن لشخص أن يقسم ولاءه على وطنين؟ على انتماءين؟ إذن فهو إما منافق، وإما من أصحاب مشروع الفتنة! هناك الكثير من الرسائل عبر البريد الإلكتروني أو عبر مواقع التواصل الاجتماعية، تشتغل على فكرة النيل من قيمة العدالة في الإمارات، وفكرة القانون وحقوق الإنسان وتزج التهم واحدة وراء الأخرى لأجهزة القضاء والعدل، وكل الكلام قائم على الثرثرة الفارغة والبلاغة اللغوية المؤثرة في النفوس أكثر من اعتمادها على أدلة مرتكزة على المنطق والحجة العقلية، وهنا يجب ألا يغيب عنا النص القرآني “.. إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة”، وأن نتذكر التنبيه الديني على أننا يجب أن نستمع إلى المتخاصمين معاً، فلعل أحدهما بليغ يستميلك إلى جانبه في الوقت الذي ربما يكون جانياً وليس مجنياً عليه كما يدعي! نعلم أن هناك من أوهم الناس بأن المحاكمات التي حدثت كانت جائرة وأن القضاء كان غير نزيه، بل ذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك فقالوا إن القضية برمتها لا أساس لها من الصحة، وإن هؤلاء الذين تتم محاكمتهم أبرياء قد تم تلفيق القضية ضدهم لأنهم من أهل التقوى والصلاح، وهذه الحجة كارثية بكل معنى الكلمة، وتحتاج مدعياً عاماً يرفع قضية أمام المحكمة يدعي فيها بالحق العام المدني للمجتمع ضد من يقول ذلك، حيث إنه يتهم كل المجتمع بعدم التقوى والصلاح، ويحصر الصلاح بهؤلاء الذين يحاكمون تحت عنوان واضح «التنظيم السري» وليس «تنظيم التقوى والصلاح»! إن تلفيق قضية بهذا الحجم وبهذا التشعب والعدد وفي هذا الوقت الملتبس من عمر الإقليم العربي وظرفه السياسي مخاطرة ومغامرة سياسية لا يقبل عليها أي نظام سياسي متزن وعاقل، فهذا سيكلفه الكثير من الانتقادات والهجوم وردات الفعل المتشنجة من قبل بعض الأنظمة والأبواق الإعلامية والمنظمات الحقوقية، والإمارات في غير حاجة لكل ذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عقلانية السياسة الإماراتية واستقرار المجتمع واتزان المواقف الإماراتية خارجياً وعلى جميع المستويات، ما يعني أننا في غير حجة لخلق مواقف منتقدة أو ردات فعل غاضبة من أي جهة، وعليه فليس هناك تلفيق بقدر ما هو مواجهة حاسمة لمشروع فوضى محتملة غير مسموح بها أو بالتساهل حيالها أو حيال من يفكر في افتعالها. إن القول بأن هؤلاء الناس قد لفقت لهم التهم على غير أساس يفتح المجال واسعاً لطرح سؤال منطقي جداً: لماذا تلفق التهم ضد هؤلاء تحديداً من دون غيرهم من المواطنين؟ فإذا قيل لأنهم أهل الدعوة والصلاح! حق لنا أن نطرح هذا السؤال: الدعوة لماذا بالضبط؟ نحن لسنا دولة كفر، ومع ذلك فالدعوة لله على بصيرة وبالكلمة الطيبة قائمة في كل مكان، عبر المؤسسات الدينية والمساجد وإذاعات القرآن وجوائز القرآن والبرامج الدينية التلفزيونية وغيرها، إنه لا يحق لأحد أن يصادر الدين ويضر المجتمع باسم الصلاح، هذا أمر مرفوض تماماً! ayya-222@hotmail.com