وجهاً لوجه، يقف الشقيقان متخاصمين في حرب الحنق، هذا ينطح الفكرة، وذاك يدحرجها، وما من نصرٍ سوى الموت لكلاهما. ماذا تفعل الأم إن وقف الشقيق حاملا سيف الوصاية، يجز عنق أخيه أمام مرأى الأعداء. من سيرتوي بدموعها، ومن يرحم قلبها الذي لو انشقّ نصفين لكان كلاهما. وماذا يفعل الأب ان صرخ بصوت العقل والحكمة ولم يلتفت له أحد سوى النار والدخان يدوران في لعبة هدم الحياة. ومن بلاد الى بلاد، يتكرر مشهد الحيرة هذا، ويُعلن عنه في الشاشات. هذا يسميه عرس الحقيقة التي تولد من موت ضدّها، وذاك يصف الدم المسفوح في الأرض بأنه الطهارة من رجس الذات. يداً بيد، يلوّح العاشقان لبعضهما في ساعة الرحيل، ينفلقان نصفين بعد أن كانا عناقاً. هذا يعود الى ندم الأيام يعلكُ الحسرة مدهوشا من خرافات القدر، وهي تذهب للإختباء في كتاب الذكريات وتصبح صورة ممزقة وبقايا نسيان. ماذا يفعل المحب حين يفتّش عن قلبه فلا يجده في مكانه. كيف يرسم لوحة الفرح في الدنيا ويده مشلولة بلا ريشة والألوان كلها رماد. وإن باح شوقا، أين ستذهب كلماته وما من قصيدٍ الا وقافيته عدم. خذيني سوف يصرخ واقفا على البحر، لكن المرأة التي تصغي من وراء الجدار، تهمس إليه: خذني. وسوف يظلان هكذا بعيدين، والزمان بينهما سترٌ وموجة. عيناً بعين، يذهب القضاةُ حتى آخر الأرض للثأر من الخطأ المقصود، للنيل ممن داس على كرامة الضعفاء وفر موهوما من غير عقاب. كل مسامحة للمتعنّت، ندم. كل عفوٍ في غير أهله، رضوخ. ينزل الحكيم من كهفه في جبل الحيرة وينادي باسم المحبة الخالصة، باسم التسامح والغفران والرفق. لكن الناس لا يرتوون إلا بالعدل، وقد يشنقونه معلقا في الفراغ، عبرةً لمن يظن أن الرحمة تعني الضعف. وأن البادي بالظلم يمكن أن يفلت من الجزاء. سيفا بسيف، يقطع المنتصرون لسان التاريخ وأصابع من يكتبونه إن انحازوا للوضوح. يبترون الغصن المائل إن أثمر يوما بفاكهة السمّ التي لها طعم الحقيقة، لكن الزمان يغدر بالعابرين على جلد سيرته. والريح تعود بعد حين، لتكنس الغبار عن الكلمات التي ردمها الخائفون من أنفسهم، هؤلاء الذين مصيبتهم في المرايا الكاذبة. حين ينظرون الى التاريخ فيرونه معكوسا، وحين يحدّقون في المعاني ويجدونها بلا معنى. وما من سبيل أمامهم سوى حمل السيف والطعن به طعن عشواء. ولا يهم إن احترق الزرع او انقرض النسل وباد حرثه. قلماً بقلم، يحاول شاعران أن يكتبا عن امرأة لم تخلق بعد. هذا يستعير البحر ليرسم عينيها ويبحر، وذاك يفتح سلّة الأوصاف فيجدها بالية وهزيلة لا تصلح لتكون فستانها. وفي الليل، حين يعبر القمر في سماء القصيدة تتبعه ألف نجمة، سيكتب هذا عن امرأة شعرها الضوء منثورا في عتمة الروح، وذاك سوف ينشد نائحا على طيف وجهٍ لاح في الخيال فغطّاه كله. تزهر الدنيا منذ التقينا واقتربنا روحاً واحدة وقلباً بقلب akhozam@yahoo.com