لم أقدم نفسي له بما يتجاوز الاسم. ولم يتول صديقنا المشترك سد الفجوة المعلوماتية. راح الرجل يتحدث بما يشبه الفيض. طغت لهجته البلدية على ذلك الركن في المقهى لكي تفصح عن أصولها الممتدة إلى بوادي حوران السورية. فهناك استوطن العرب المسيحيون الغساسنة، فخرج منهم ملوك وشعراء، ثم كان هو علم منهم في عالم الموسيقى. وحينما تحدثت مستخدما لهجتي المحايدة، استوقفه شيء ما. حرف. كلمة. نغمة. فقال: نحن أبناء قرية واحدة. أضاف وليد غلمية، الموسيقار اللبناني الذي رحل قبل أيام، إلى الموسيقى العربية، ما أضافه قبله ابن رشد وابن خلدون إلى الفكر العربي. هما أسسا منهجية التفكير كل في مجاله. علم المنطق وعلم الاجتماع. أما غلمية فقد فتح أبواب التأليف الموسيقي إلى مديات لم تبلغها موسيقى العرب قبله. حرّر النغمة من الكلمة، فسبح في محيطات الموسيقى البحتة. موسيقى لا تفترضها قصيدة، ولا تقتضيها أغنية. ومما لا شك فيه أن آخرين سبقوا غلمية إلى هذا الميدان، بمقطوعات مستقلة من زمن زرياب إلى زمني عبد الوهاب والأخوين رحباني، لكن رئيس الكونسرفاتوار الوطني اللناني، هو أول من منح بطاقة تعريف سيمفونية للموسيقى العربية. كانت سيمفونياته تحمل أسماء مستمدة من التاريخ العربي: “القادسية”، “المتنبي”، “اليرموك”، “الشهيد”، المواكب”. استرسل في ذلك اللقاء، في تبيان العلاقة بين الحضارة والموسيقى. قال إن حضارة بلا موسيقى لا تستحق اسمها. استشهد بعبارة لأفلاطون: “اللغة أدنى مستوى استعمله الإنسان للتعبير”. قلت: إن سيمفونياتك تمثل مستوى آخر من مستويات التعبير عن الإنسان العربي وقضاياه. أنت تقدم المضمون الموسيقي للحضارة العربية. صمت قليلا ثم سألني: هل استمعت إلى “مرجعيون” (السيمفونية التي أهداها إلى قريته جديدة مرجعيون)؟ قلت: نعم. فسأل: ماذا وجدت فيها؟ قلت: شممت رائحة أشجار السرو والصنوبر. تلمست العشب المندّى عند “نبعة الدرب”. تابعت عصافير الدوري في دورياتها التي لا تنتهي. قال: هذا ما قصدته. أن يفهم الإنسان الموسيقى ومضمونها لا أن يستمع إليها فحسب. وبسبب هذا المضمون تعرض وليد غلمية، لحملات من الانتقاد. هاجمه كتّاب عراقيون لدوره البحثي في الموسيقى العراقية خلال عهد صدام حسين. قالوا إنه ألّف سيمفونيات بتكليف من النظام السابق. توقفوا عند الشكل ولم يقتربوا من المضمون. تماما كما حصل مع محمد عبد الوهاب عندما منحه الرئيس أنور السادات رتبة “لواء” العسكرية. وقبلهما تعرضت أم كلثوم لممارسة شبيهة مع قيام ثورة 23 يوليو الناصرية عام 1952. منع أحدهم أغانيها في الإذاعة “لأنها تنتمي إلى العهد البائد”. ولولا تنبّه عبد الناصر للأمر لكان حكم الخرس المبرم ـ الذي يشبه حكم الإعدام ـ قد أصاب حنجرتها إلى الأبد. وقبلهم جميعا تعرض ريتشارد فاغنر الموسيقي الألماني الشهير للمنع لما قيل من أن الزعيم النازي أدولف هتلر قد تأثر بموسيقاه. رحل وليد غلمية. وقد يرحل معه منجزه الإداري في المعهد العالي للموسيقى في لبنان. قد يرحل معه المعلم لأجيال من طلبة الموسيقى. قد تنتهي الفرقة الفلهارمونية التي أسسها. إذ نمتلك بين ظهرانينا محترفون في تدمير كل منجز مشرق. لكن شيئا وحيدا سيبقى عصيا على التدمير هي سيمفونياته، منجزه الموسيقي، التي قال عنه: “أريد للكلمة أن تبقى صوتا أسمعه. لأنني في ذلك لا أقتل، لا أدمّر، لا أكره، لا أتكاسل، لا أنتحب، لا أحرّض، لا أفاضل”. adelk58@hotmail.com