صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

شعارهم هيكل ومنجل

ناصر الظاهري
استماع

يوجد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية حفارو قبور الحياة، مهنتهم في هذه الدنيا ذمّها، وطلب الآخرة وهم بعيدون عنها، وما يقرّب إليها من قول أو عمل، تريد أن تعرف من مكّنهم من هذه الوظيفة المجانية، ولمَ هم يصبغون دنيانا بالرذائل، وكأننا مشروع نجاسة دائم، وعلينا التطهر ما حيينا أبداً، فمجتمعاتنا محرّضة على الإعياء، والتعب، والتقاعد المبكر من الحياة، ومن ثم الدخول في طقوس الحنوط والكافور، فهي ما أن تلمح شخصاً دخل في نادي الخمسين أو امرأة شارفت الأربعين، حتى تبعث بإشارات مرضية وهمية، وأخرى متخيلة للجسد، بعدها تتحول نحو التحضير للدفن المبكر لهؤلاء الأشخاص الذين في حقيقة أمرهم أنهم وصلوا سن النضج والعقل، والحكمة، والعطاء الصحيح، فالرجل يدفع به نحو الحج أولاً لتكفير الذنوب، والموت على الفطرة، والمحجة البيضاء، وبالتالي يتحول من الإنتاجية والإبداع والاستفادة من عمره الرجولي الحقيقي، إلى إجباره على التفكير في مربع الموت، وأن الذي مضى من العمر ليس بقدر الآتي، وتبدأ شعارات الاستقالة المبكرة من الحياة، بدءاً من الزوجة التي تعايره منذ الصباح «عنبوك أنت الشايب العايب» أو«شيبه وريوله في القبر»!
أما المرأة فسيشق المجتمع حفرتها في عز فرحها بالحياة، وسيبقى يرهبها بالماورائيات، وأن جهنم سكانها جلهم من النساء، وأنه آن لها أن تكمل عقلها ودينها الناقصين، ويبدأ يظهر لها مقترحاته المهدئة، النقاب والحجاب والسواد، وأن كل همزة ولمزة من المرأة حرام، وأنها كلها عورات وللناس أعين، عطرها حرام، وزينتها تبرج، وصوتها عورة، وأي رجل يراها يختبئ خلفه شيطان هو ثالث الثلاثة، لذا تجدهم يجعلونها تحضّر كفنها بنفسها، هذا غير تخويفها الدائم من تلك البثرة التي تتحسسها كل يوم تحت وحول صدرها، وإن حجت واعتمرت أصبح على أولادها لزاماً أن يقبّلوا بوجهها صوب القبلة عند مطلع كل شمس، لأنها إن ماتت ماتت وهي تناظر الكعبة فتشفع لها، أما شعارات قتل المرأة المبكر فكثيرة: سن اليأس، عيالك غدوا رياييل، وأصبحتي جدة، التهديدات بجلب ضرة، وأنها بارت، فيغدو وجهها مصفرّاً وهي كظيم.
بالمقارنة، في المجتمعات الأخرى انظروا للرجل يبلغ الثمانين، وهو متعافٍ بالحياة، ومنطلق نحو ربيعها، و«هاب ريح»، يمارس الرياضة، ليس لديه فراغ، ويسافر دائماً في رحلات ما بعد التقاعد، يمارس طقوس حياته اليومية، وكأنه سيعيش أبداً، ولا يعترف بأي مخطط يمكن أن يستهدف حياته ونعيمها، ويخطف منه ضحكته، والمرأة في تلك المجتمعات وحين تبلغ سنها الذهبي، تجدها تمارس الرياضة، وتخرج مع أبنائها وكأنهم أصدقاؤها، لا تشكو من العيب، ولا من هشاشة العظام، ولا من الترهل المنزلي!
لدينا الكثير من المغالطات في الحياة، وهذا ما يجعلنا حين نرى «جماعتنا»، يشعروننا بأنهم حفارو قبور الحياة، وأنهم يزيدوننا أعواماً على أعمارنا، ويطفئون نور وجوهنا!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء