“لا شيء يجعلنا عظاماً كالألم”، تلك مقولة صحيحة بالنسبة للإنسان العادي وبالنسبة للأمم والمجتمعات، فما من فرد عاش معاناته الخاصة بشكل أو بآخر إلا وتركت فيه تلك المعاناة آثاراً لا يمكن محوها، فوعي الإنسان ونضجه ونمو المجتمعات وصلابتها لا يمكن أن تتحقق، إلا عبر الألم والمعاناة وطريق طويل من التضحيات والتجارب وأحياناً المواجهات والمكاشفات وأيضاً الاكتشافات! لقد عبَر الوطن الإماراتي طريقاً صعباً ليصل إلى المنطقة التي بدأ فيها يجني ثمار صبره وإصراره واعتماده على كوادره الوطنية وأصدقائه المخلصين، هذا الوطن عبَر مرحلة البناء الأولى بأقل قدر من المواجهات والمآزق، لكن ومع بداية عصر الثورات العربية والفوضى الضاربة في كل مكان بدأت الفتن تطل قليلاً من هنا وكثيراً من هناك، وصحونا على أخبار وأحداث لم تكن تخطر بالبال يوماً، لكنها كشفت عن الكثير من الحقائق كان لابد من معرفتها ومواجهتها رغم قسوة تلك الحقائق! البعض يرى أننا في الإمارات قد بالغنا في تعاطينا مع موضوع التنظيم السري، وأننا انشغلنا به ومنحناه أهمية لا يستحقها حتى صار شاغلنا وحديثنا الذي نمضغه طيلة اليوم ويستهلك قوانا كل الوقت، إن الذين يطرحون هذا الرأي يغيب عنهم أن الإمارات، وطناً ومجتمعاً، لم تعرف في مسيرتها التي لم تتجاوز الأربعين عاماً، تحدياً يضع أمنها واستقرارها على المحك مباشرة مثل هذا، فكان من الصعب جداً التساهل وغض الطرف وكأن شيئاً لم يكن! ثم إن الظروف الإقليمية التي شهدت انبعاث هذا التنظيم ليست ظروفاً اعتيادية أو سهلة، خاصة بالنسبة لدولة كانت ومازلت تمثل نموذجاً وحدوياً يحتاج منا الكثير من الحرص والعناية وليس اللامبالاة، إن الذين تعاملوا بلامبالاة واضحة مع مثل هذه التحديات قد دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة لتساهلهم وتراخيهم، وإحسانهم الظن كثيراً بمشروع الفتنة الكبرى، وهاهي بعض دول الجوار ترزح تحت كوارث ذلك التساهل! ستعبر الإمارات هذه الحالة، أكثر قوة وتماسكاً وإيماناً بوحدتها وأبنائها، أما الذين مددنا لهم اليد محبة وأخوة وقابلونا بنكران الجميل وبالتهديد وأمنيات وقحة لا يطلقها إلا ناكر جميل، فسيعرفون معنى أن يكون المرء ضيق الأفق والقلب معاً، ومعنى أن يخرج من المعاناة خاسراً وصغيراً جداً! إن خيول السباق الرابحة لا تعرف أنها ربحت بقدر إحساسها بذلك الألم الذي دفعها أكثر لخط النهاية متقدمة على الجميع، هذا هو قدر الرابحين دوماً، أما الصغار فقد أدمنوا الخسائر! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com