صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

نمر من ورق!

قال الرئيس الأميركي جورج بوش: إن الانسحاب السريع من العراق يظهر الولايات المتحدة وكأنها ''نمر من ورق''· لست أدري إن كان الرئيس يدري أن هذا التعبير: ''نمر من ورق'' إنما هو تعبير صيني بامتياز، أطلقه ماوتسي تونج قائد الثورة الصينية عندما رفع شعار: الامبريالية نمر من ورق! وله كتاب مؤلف في هذا الموضوع، ويقصد به أن الاستعمار مهما بلغت قوته وجبروته، فالشعوب قادرة على التحرر منه والانتصار عليه، وبذلك يبدو نمراً في قوته وإمكاناته الظاهرة، ولكنه نمر ضعيف لا يصمد أمام حرب شعبية طويلة حتى لو نجح في البداية في افتراس الشعوب واغتصاب أرضها وثرواتها· وعودة إلى الموضوع ذي الصلة وهو الانسحاب السريع من العراق، وكلمة السريع هذه وأحياناً المبكر والعاجل، أوصاف يحرص على إطلاقها دعاة بقاء الاحتلال طويلاً في العراق، ولم يطلقها دعاة الانسحاب من العراق من معارضي الحرب بشتى صنوفهم ومواقفهم وغاياتهم، فالحكومة العراقية الحالية، وهي طائفية بامتياز تحذر من الانسحاب السريع، والإدارة الأميركية تحذر أيضا منه، وكل القوى المستفيدة من بقاء الاحتلال جاثماً على أرض العراق تحذر من الانسحاب السريع، ولا أحد من هؤلاء يفكر أو يطرح انسحاباً آخر، انسحاب يقوم وفق برنامج زمني متفق عليه، ومدروس، ويحظى بموافقة الجميع: الولايات المتحدة وحلفاؤها، والأمم المتحدة، والجامعة العربية المنكوبة، والشعب العراقي بكل قواه وأحزابه والمقاومة العراقية، وهو انسحاب مبرمج وليس سريعاً أو فوضوياً - كما كان الدخول-· فبعد مقتل أكثر من مليون عراقي، وتهجير 5 ملايين، وتدمير العراق، وخراب البصرة ونهب الثروات، وزرع الطائفية، وتعشيش العصابات الدينية، لم يعد للتغير الذي حصل في العراق معنى، ولا فائدة ولا شكلاً من أشكال الديموقراطية! ألم يكن بالإمكان أفضل مما كان؟ هل صحيح أن الجلبي ''ضحك'' على الأميركان وخدعهم بحفنة عملاء أوهموا الإدارة الأميركية أن صدام يوشك على صنع سلاح نووي، وأنه يملك بالفعل أسلحة دمار شامل، متنقلة على عربات مموهة، متحركة، وآخرون أوهموا الإدارة البريطانية أن صدام قادر على تهديد لندن خلال 45 دقيقة! هذا ليس صحيحاً، والصحيح أن الجلبي وغيره من العازفين على الوتر الاسرائيلي قدموا للمحافظين الجدد في الإدارة الأميركية ما كانوا يبحثون عنه من معلومات مضللة لتسويغ وتسويق عملية غزو واحتلال العراق، فحدث الغزو والاحتلال، ثم تدمير البلاد، وتشريد العباد، وحل القتل على الهوية، والمذهبية محل الوئام التاريخي، ونهبت الثروات بلا حسيب أو رقيب، وعاث الحكام الجدد وأسيادهم فساداً، وهو ما تؤكده اعترافاتهم وأرقامهم، حيث اكتفى بول برايمر بإهدار 8 مليارات دولار، وسرق وزير الدفاع السابق فقط 600 مليون دولار، وعقد وزير الدفاع الجديد كما تقول هيئة النزاهة العراقية صفقة أسلحة أميركية فاسدة عوضاً عن الأسلحة البولندية الفاسدة التي عقدها الوزير السابق!! ووزير ''ثقافة'' متهم بالقتل، ورئيس أركان وطني ومحترف مهدد بالإعدام· وتبين أن إيران لم تكتف بنفوذها السياسي والمذهبي والمخابراتي والاقتصادي في العراق، بل استولت على 15 بئراً نفطية أيضا، وكأن الولايات المتحدة التي ''تشتم'' إيران وتحذر من نواياها، وتسعى للحشد ضدها، فعلت كل ما فعلته في العراق من أجل مصالح اسرائيل أولاً، وتقديم العراق على طبق من ذهب، ولقمة سائغة لإيران ثانياً، ثم نهب ثروات العراق وبعث الفوضى فيه أخيراً· صحيح أن أميركا نمر يكشر عن أنيابه، ولكن العراق هو الذي أصبح ورقاً تعصف به الأيام والرياح، وبوش قرير العين ''سعيد ومرتاح''!!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء