منذ انهيار المشروع الحضاري العربي الإسلامي، حيث ارتقت الحضارة الغربية المشهد العالمي بما أنجزته من ازدهار في كل نواحي الحياة، العلوم والفنون والفلسفة والطب والسياسة والقانون والتكنولوجيا، ساحبة البساط من الحضارة العربية الإسلامية التي كانت في مرحلة من مراحل التاريخ تمتلك الابتكار والإبداع في حقول عديدة؛ منذ ذلك الانهيار الكبير، وتساقط الرايات من مواقع الفتوحات العديدة، وانحصار الفكر تحت سقف النزعات والاقتتال والجهل والتخلف، والاتهامات الجاهزة بالزندقة والإلحاد والكفر، وتشتت الدولة الإسلامية إلى دويلات.. منذ ذلك الزمن ما زال الكثير من العرب يلوكون سيرة أمجادهم وكأنها ما زالت متحققة، وكأنها تعطيهم الاعتراف من العالم بدورهم المؤثر في التاريخ؛ على الرغم أن الآخر لا ينكر على الإطلاق فضل العرب في تقدم وتطور البشرية. هذا المدخل الذي يشير إلى المأساة التي يعيشها الكثير من العرب والجماعات الإسلامية تجاه مأزقهم التاريخي أمام الخروج من التاريخ بمعناه العملي، والتأثير والمساهمة في سير الحدث الحضاري على الكرة الأرضية، حيث لم يعد هناك خيار لدى الكثير من الجموع أمام هذا التأخر الكبير سوى اتهام الآخر بأنه السبب في هذا التأخر سواء عبر المؤامرة الثقافية أو التسلط السياسي، وبالتالي في أكثر الحالات ضعفاً تتم العودة من قبلهم إلى التاريخ، واستقاء عظمته، ومحاولة استعادته، كي يوجد في الحاضر، بالأدوات ذاتها، وبالأسلوب نفسه، في زمن تجاوز كل فكرة من أفكار ذلك التاريخ، زمن ذهب أبعد بكثير من تلك العقليات التي لم يعد لها مكان سوى المتاحف؛ فالتاريخ حين يعود، فإنه لا يمكن أن يعود بالأدوات ذاتها والتفكير ذاته، بل هو يعود دائماً بعبر قديمة أحيانا، ولكنها جديدة وعصرية في قالبها وجوهرها. أعود إلى ذلك المدخل حتى لا أفقد البوصلة التي يجب أن اتبعها للوصول إلى النقطة التي أريد الوصول إليها، وهي «التعصب للغة»، فهذا الموضوع ما فتئ يهمد إلا وعاد من جديد كلما تم الحديث عن اللغة العربية وحضورها الذي بدت تفقده في مكانها العربي، سواء على صعيد التخاطب كلغة فصيحة أو كلهجات محكية في المناطق العربية المختلفة أو الكتابة والقراءة والتخاطب بها كتابياً في العديد من المؤسسات والمدارس والجامعات، حيث خطر الفقدان الذي يتهدد اللغة يرتبط بالخوف ذاته من فقدان الحضور المؤثر في مسيرة الزمن الجديد، وهذا الخوف الذي يعبر عنه بردات فعل غير منطقية، نقرأه في الكثير من وسائل الإعلام ـبمعنى الإلغاء للغات الأخرى ـ مثل إطلاق ألقاب على اللغة العربية: «أم اللغات» و«أميرة اللغات» و«سيدة اللغات»، وكأن الكون مرتكز كله على اللغة العربية، وكأن المنجز الحضاري كله تم باللغة العربية، وكأن العالم كله يسعى لتعلم اللغة العربية، حتى وصل الأمر لدى بعض الكتاب إلى تزوير التاريخ بالقول إن اللغة العربية هي لغة سيدنا آدم، ولا ندري من ذلك هل هو الجهل أو مزيد من الغلو في التعصب للغة. فهذا الفعل، هذا التعصب للغة لا يخدم على الإطلاق اللغة، بل يسيء إليها، فإن احترام لغتك ليس بجعلها فوق اللغات، بل بجعلها تتساوى في الحضور العالمي، بالإيمان باللغة العربية وتكريسها في كل جوانب الحياة من علمية أكاديمية إلى ثقافية وسياسية وتعاملات يومية، وحضور في كل وسائل التكنولوجيا والإلكترونيات، أن تحضر اللغة على شبكة الإنترنت بشكل حضاري، من خلال توافر المواقع العلمية والبحثية والثقافية والفنية والسياسية... بشكل مؤثر ومفيد للباحث والطالب والمتصفح. اللغة كيان ثقافي بأكمله وليس ساحة للتعصب الأعمى والجاهل، الانحياز للغة ليس انحيازاً لفريق كرة قدم، بل هو انحياز لفكر وأخلاق حضارية كبيرة، تؤمن بالآخر وتحترمه وتقدره وتقدر لغته، من دون أن تكون لغتك ثانياً في مكانها. سعد جمعة | saad.alhabshi@admedia.ae