أمزجة المبدعين وطرائقهم فى الإبداع مختلفة، تختلف باختلاف تكوينهم النفسي والفكري والثقافي. ولقد عرفنا طرفا من ذلك من معرفة نجيب محفوظ على سبيل المثال، فقد كان الرجل منضبطا في حياته. كان يجلس إلى مكتبه للكتابة في ساعة محددة من صباح كل يوم، ولا يتوقف عن الكتابة إلا بعد انتهاء الوقت الذي فرضه على نفسه. وفي الوقت نفسه، كان يمنح نفسه إجازة من الكتابة لمدة شهرين، هما أقسى أشهر الصيف، ذلك لأنه كان يعاني من رمد ربيعي، يشتد عليه مع اشتداد وقدة الصيف. ولم يعرف نجيب فوضى الحياة أو العادات التي كان يعرفها غيره من المبدعين الأكثر ميلا إلى الفوضى. وحتى التدخين، فرض نجيب محفوظ على نفسه نظاما صارما، كنا نراه في مجالسه، يخرج من جيبه علبة سجائره كل ساعة على وجه التحديد، ويتناول سيجارة يشعلها، ويستمر في تدخينها إلى أن ينتهى منها، فلا يشعل غيرها إلا بعد أن تمر الساعة بالتمام والكمال. وحتى عندما أجبره الأطباء على التوقف عن التدخين، ظل يحتفظ بالنظام عينه في شرب القهوة التي لم يتوقف عن احتسائها. أذكر أنني حضرت إلى مجلسه، قبل وفاته بأشهر معدودة، وكان قد طعن في السن، ووصل إلى عامه الأخير، ولم يعد يسمع إلا من خلال سماعة أذن، ضعفت قدرتها مع الزمان، فكان الأقرب إلى مكانه، والمجاور له، يكرر ما يقال له بصوت مرتفع؛ فشعر بالحقد على الزمن الذي كسره، والذي جعله محورا أساسيا في أعماله الإبداعية، فضلا عن الاعتداء الأثيم الذي وقع عليه خلال محاولة اغتياله التي ساعد مرتكبيها المجرمين انتظام مواعيده؛ فأقدموا على ما أمروا به، بعد أن راقبوا المنزل أياما، وأدركوا بيسر مواعيد خروجه لرياضة المشي، أو لقاء الأصدقاء. ولولا قرب بيته من مستشفى الشرطة، وسرعة نقله، وفوق ذلك كله عناية الله، لذهبت روح هذه العبقرية الإبداعية إلى بارئها. والحقيقة أنه لولا هذا النظام الصارم الذي فرضه محفوظ على نفسه، والتزم به، ما استطاع إنجاز كل هذا العدد الضخم من الروايات والمجموعات القصصية، والحوارات المسرحية. ولولا هذا الإنجاز الاستثنائي المتميز كيفيا وكميا، والذي كشف عن عبقرية فريدة، ما وصل نجيب محفوظ إلى جائزة نوبل التى جاءت إليه عام 1988، فوضعته في المكان الذي يستحقه بين كتاب العالم وكبار مبدعيه. أذكر أني حاولت منذ سنوات بعيدة أن أفرض على نفسي بعض هذا النظام الذي فرضه نجيب محفوظ على نفسه، ولكن الفشل كان نصيبي. وقد حاولت تعزية نفسي يومها بأنه كل ميسر لما خلق ولما هو قادر على الالتزام به، وقد تعزيت بأن النظام الصارم ليس هو السبيل الوحيد لإبداع الفكر والوجدان، وأن بعضا من الفوضى والخروج على النظام واجبة، وكنت أرى نماذج لذلك من المبدعين والمفكرين الذين عرفتهم واقتربت منهم.