وكأننا نعيش العصر العباسي الثاني، يوم تفرقت الدول إلى دويلات، وتمزّق الدين إلى أديان، وطوّقت الفتاوى المشؤومة أعناق الرجال، فحلقوا، وحدقوا، وطوقوا، وتطرقوا، وتدفقوا، وتشرنقوا، وقالوا وما صَدَقوا، وهرقوا، وهرطقوا، وطقطقوا، ونقنقوا، وصنعوا من الدين عربة فارغة بضجيج وعجيج، لا نهاية للجعجعة، ورحى التجديف تهتك وتفتك بعقول الناس، كما تهشم مشاعرهم كزجاج منثور على أرض شائكة. الغنوشي، رئيس حزب النهضة التونسي، الذي ثار على الرئيس السابق زين العابدين بن علي واعتبر مناهضة حكمه من شرع الله، وسنة نبيه يصحو اليوم بعد غفوة ويقول للذين يواجهون حزبه بالأدلة الدامغة على انحرافه وانجرافه نحو غايات، خرجت عن الدين، وتجاوزت حدود الوطن وسيادته، يقول لهم إن التظاهر ضد الحاكم حرام. فالغنوشي بعد أن وقف على رأس السلطة يحرم ما حلله، ويجرم ما شرَّعه، وبئس مصير أمة علماؤها يفصلون الدين كما تقتضيه مصلحة الحزب، وليس مصالح الوطن والأمة. ولا أشك أبداً أن يخرج علينا علماء الأحزاب، بتصريحات وفتاوى تأتي بالشمس من المغرب، وتذهب بها إلى الشرق. الأحزاب الدينية اليوم تعيدنا إلى العصور الإسلامية، التي تحالفت فيها مع الشيطان من أجل سلطان الحزب ومصالحه البراجماتية، التي تحلل كل شيء طالما يصب في مصلحة الحزب أو الطائفة، أو الملة. نحن الآن أمام طوفان عقائدي، يعيد الأمة إلى مراحل ما بعد الفراغ ويخرجها من سنة نبيها والكتاب الكريم. من يشهد الوضع في تونس، وكذلك الجارة الليبية التي كانت «جماهيرية عظمى» تنعم بمقولات الكتاب الأخضر والالتفاتات الفريدة «لملك ملوك أفريقيا» يتأكد له جيداً، أن أوضاعاً سياسية كهذه لن تفرز أحسن من هذه الشيزوفرينيا، وازدواجية الشخصية، وعقد البارانويا، وأمراض شتى سوف تغلف المكان العربي، وكل مدع سوف يطلق رصاصات الموت على الوجدان العربي، لأن الفرق المزنجلة بهتافات العشوائية تجوب البقاع العربية، وتستولي على المشاعر بعد أن اختطفت طائرة الدين معلنة الفوضى الخلاقة. فالانقلاب على النفس والدين ليس تغريدة الغنوشي الفريدة، بل إن الأناشيد التوقمية تتوالى من كل فم ولسان، بعد أن هدّموا البنيان وضاع البيان واختلط الحابل بالنابل، وقنابل الموت تتجول في الطرقات وتجلس على الأرصفة. أمور يحار فيها العقل وتصدم النفس، وتصبح الأرواح مغلولة بأيدي من احترفوا فن المراوغة والمغامرة، والمقامرة، والمكابرة، والمجاهرة بالتقلب والتذبذب، والتسرب، والتهرب من الحقيقة، لأجل الوصول إلى أهداف الحزب والذات. هذا هو الافتراء وهذه هي الخيبة. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com