أحلام اكتشاف الفضاء الخارجي، والأسئلة الكونية الكثيرة تراود كثيراً من الناس، خاصة المبدعين الذين كلما تقدم بهم العمر، واكتسبوا حكمة المعارف والأيام، زادت تلك الأسئلة، في حين تتوقف عند الناس العاديين الذاهبين باتجاه المادة، وكسب المنافع، والبعد عن ما يوجع الرأس، الأطفال يبدؤون بتلك الأسئلة حياتهم بعد مرحلة الحبو، واشتداد العود الطري، فتكون أسئلتهم منحصرة في الشمس البرتقالية، والسماء الزرقاء ونجومها، ربما لأنهم كانوا الأقرب لها في عالم التكون والغيب، ومراحل نشوء النطفة، ومجاهل ظلمة المشيمة، هكذا كنت في بداية الطفولة، وهكذا ظلت تراودني أحلام ذلك الفضاء الخارجي لكن تحصيلي العلمي الغائب لم يؤهلني لغير حب قراءة علم الفلك والفلسفة، فتركت الفضاء، وأصبحت أذرع الأرض، لاكتشاف -على الأقل- ما أقدر عليه، راضياً بهذا بدلاً من ذاك، ومن الغنيمة بالإياب.
لكن لو قيض لشاعر أن يزور الفضاء، ويصبح لقبه شاعر الفضاء، بدلاً من رائد الفضاء، هذا طبعاً بعد التجاوز عن المؤهلات العلمية، وخاصة الرياضيات والفيزياء التي يتذكرها من الصفوف الإعدادية، وغض النظر كذلك عن اللياقة البدنية التي تقتصر على الأعمال المنزلية البسيطة والمجبر عليها، لأنه بعد ركض أمتار بسيطة، سيلهث عن طيب خاطر، وكأنه حمل «يونية عيش»، والقبول بنتائج فحوصاته الطبية الساكت عنها، لأن هناك أشياء في الداخل معطلة، ولا يدري عنها، ولا يريد أن يدري عنها، خاصة وظائف الطحال، لأن شعار الشاعر، «الكحة من الصحة، والسعال من تمام الحال».
لو حمل رواد الفضاء شاعر الفضاء، وسافروا به في مركبتهم، «أسميه بيعثّرهم عثرة، وبيغرْبلهم غربلة»، أولاً بيحتاس في لبس بدلة الفضاء المجهزة، وسيشعر بالاختناق، خاصة إذا كان «ظاري على وزار ومقَصّر»، و«بعدين بتم كبدة لايعة دوم، وضاربتنه دورة، وبيعيفهم حياتهم خاصة في المناطق عديمة الجاذبية من كثر ما يترّع به»، وبيظل يتأمل في كل نجمة ساقطة، والجماعة منشغلين بالإعدادات، وحساب الكميات، ونسبة الفراغ وكتلته التي بالتأكيد لا يدري عنها شيئاً، وتغثه مثل تلك الأمور، وتزيد من حموضة المعدة عنده، سيعترض على الأكل من أنبوبة مثل أنبوبة معجون الأسنان، خاصة إذا كان من ضرّيبة الصواني، ويقرض الحصا، لكنه إن صبر حتى يصل إلى ذاك المكان الذي طالما تغنى به الشعراء والمنشدون ترى ماذا سيقول؟ خاصة إن شاف القمر وكله تجاويف صخرية، وأرضه كالرماد، و«لا فيه الصريخ»، ما عدا ذاك، كله من بيان الشعراء وأحلامهم الضائعة في الفضاء، وسيتأكد حينها أنهم فعلاً في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، أعتقد شخصياً أن القصيدة الوحيدة التي سيكتبها شاعر الفضاء، «حمد الله على السلامة يا جاي من القمر»!