صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مرارة الحقيقة

ليس سهلاً أن ترى بوضوح. الرؤية الواضحة تجرح البصر. هل حاولت التحديق في الضوء مباشرة؟. على الرغم من ذلك هو خيار يختاره البعض. يريدون على الرغم من كل الألم أن يروا جيداً الصورة كما هي، كما هي بالضبط من دون رتوش تعدل من خدوشها، من دون أصباغ ومواد تجميل، ستكون صورة بشعة، قبيحة، وهذا سيكون جمالها. يريدون أن يشربوا الكأس كما هي من دون مواد حافظة ومنكهات صناعية، ستكون كأس مُرة مرارة ناجعة، على الرغم من ذلك ستكون مرارة حلوة. الرؤية الضبابية مريحة للعقل، تجعله يسترخي. وتجعل النفس تتقبل كل غثيانات الحياة بانشراح. منْ لا يريد أن يكون منشرحاً؟ كل الناس تريد أن تعيش بانشراح وانبساط وفرح. ولكن لكي تحيا كذلك عليك أن تحظى ببصيرة عمياء أو تكاد. فكل ما حولك لو رأيته حقاً يثير الشجن. والشجن حزن جميل، لا يجعل منك إنساناً أبشع، فقط إنساناً يحمل كميات أكثر من المعتاد من الألم. ستكون حينها كائناً ثقيلاً، على المنبسطين. لكنك لن تقوى إلا أن تحمل ثقلك وحدك. هو خيار، وكل إنسان يختار خياراته. هذا معنى أن تكون حراً. هناك غضب قد يأتي مع الرؤية الواضحة، سيجعل الصورة أكثر نصوعاً، بحدّة جارحة. على الرغم من ذلك لن يكون غضبك ناراً حارقة، لأنه قائم على رؤية واضحة تجعل من غضبك نوراً ينير طريقك. وكل إنسان مسؤول عن اختيار طريقه. هذا معنى أن تكون فرداً مستقلاً، لك قرار. في أحد المطاعم يعلق صاحب المطعم على الجدران صوراً لأطفال فقراء جوعى من أنحاء العالم. يقفون أمام الكاميرا ضاحكين بأثوابهم الرثة، وأقدامهم الحافية، وجوههم التي لفحتها الشمس، ولسعات البرد. ربما أراد صاحب المطعم أن يقول، وأنتم تأكلون، تذكروا الأطفال الفقراء الذين لا يجدون ما يأكلون. لكن من له قدرة على الأكل إن تذكرهم، سيعتاد الناس ألا يلتفتوا للصور، فالمطعم يقدم وجبات شهية. لو تبرع كل إنسان في العالم بوجبة غداء، هل بقي إنسان آخر جائعاً؟ لكن من سيجمع، ومن سيوصل، ومن سيسرق، وأين ستذهب موازنة القوى العالمية، وكل تلك الأيادي الخفية التي تقول يجب أن يموت الناس، ويستمر الجوع والفقر والحرب، لكي نبقى أسياداً أقوياء. وتفكر وأنت تمضغ طعامك، هل الحياة فعل خيري حر؟ تقلب بصرك في الخريطة العربية. تشتاق لروائح الشوارع العربية. تعشق أرض العرب مثل قيس مجنون ليلى. تضع إصبعك على مكامنها فتجدها دامية، بغداد، دمشق، القاهرة، بيروت، صنعاء، وخذ «إلخ» معك. ربما حان الوقت فقط كي تجد شجرة. تستند على جذعها، تتنفس عبير أزهارها، تنصت لحفيف أوراقها، تجلس تحت ظلها، وتؤلف قصصاً، وتقع في الحب، وتنسج أسطورتك الشخصية. من قال إن الهرب من مركب يغرق جُبن. إنه خيار شجاع، أن تقرر إنقاذ نفسك من الغرق غير المبرر في محيط أحمر قانٍ، قاعه رماد؛ بشر أرادوا فقط الحياة. يمسك الإنسان تحت ظل الشجرة الوارفة بتلابيب النور كي ينجو بنفسه من البشاعة العارمة. ولعله ينجو. ستظل الحقيقة ماثلة أمام بصيرتك، وستستشعر مرارتها في دمك. على الرغم من ذلك ستكون مرارة حلوة. فالصدق مع النفس أحلى، وإن كان مُرّاً، والزيف على الرغم من كل حلاوته مُرّ. وهذا هو جمال الحقيقة البشعة. مريم الساعدي | Mariam_alsaedi@hotmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

قصة الكلمة

قبل 11 شهراً

هذا البلد

قبل 11 شهراً

ناشر عربي

قبل سنه

محمود درويش

قبل سنه

الحياة فكرة

قبل سنه

حبة قراءة

قبل سنه

سرقة أدبية

قبل سنه

مسؤول ثقافي

قبل سنه
كتاب وآراء