لو سأل الواحد منا نفسه: كم عدد أصدقائك الحقيقيين؟ الذين لا يستغيبونك، ولا يطعنون في ظهرك، ولا يضعون في طريقك الشوك، ولا يخذلونك، ولا ينتظرونك على أول زلّة، أو عثرة لك، ولا يشهّرون بك، حين يرونك ترقى في طريق النجاح، ولا يسيئون الظن بك، ولا يحاربونك في رزقك، على الرغم من أنهم ينعمون برزق الله الوفير، ولا يتمنون لك الفشل لمجرد أنك تعمل، وهم لا عمل لهم إلا التربّص بالآخرين، ولا يتظاهرون بالحب ويضمرون لك الحقد، على الرغم أنك في حالك، ولا يتقربون إليك لمصالح ذاتية ولا لمركزك، أو لجاهك، أو وظيفتك، ولا يتملقون لك في أيام مسؤوليتك، ولا ينفضّون من حولك حين تفقد كرسيك، ومنصبك، ولا يشيحون بوجوههم عنك حين تقع في ضيق، أو كرب، ولا يؤلّبون عليك الصديق والعدو، ولا يحسدونك على راحة بالك. هل يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين، أو حتى عدد أصابع اليد الواحدة، أم....؟ قال وهب بن منبّه: صحبت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلاً غفر لي زلّة، ولا أقال لي عثرة، ولا ستر لي عورة. وقال عليّ كرّم الله وجهه: إذا كان الغدر طبعاً، فالثقة بكل أحد عجز، وقيل لبعضهم: ما الصديق؟ قال: اسم وضع على غير مسمَّى. قال الشاعر: سَمِعْنَا بالصَّدِيقِ ولا نَرَاهُ على التَّحْقِيقِ يُوجَدُ في الْأَنَامِ وأَحْسِبُهُ مُحَالًا نَمَّقـــُــوهُ على وَجْهِ الْمَجَازِ مِنَ الْـــكَلامِ قال الإمام الصادق عليه السلام: أقلل من معرفة الناس، وأنكر من عرفت منهم، وإن كان لك مائة صديق، فاطّرح تسعة وتسعين، وكن من الواحد على حذر. وقيل لبعض الولاة: كم لك من صديق؟ فقال: أما في حال الولاية فكثير. وأنشد: الناسُ أخوانُ مَن دامت لهُ نِعمٌ والويلٌ للمرءِ إن زلّتْ به القدَمُ ويروى أن علي بن عيسى الوزير، لما نكب وزالت عنه الوزارة، تفرق عنه أصحابه ولم يعد يرى ببابه أحداً بعد أن كانوا يتزاحمون عليه من قبل، ولما عادت الوزارة إليه عادوا إلى الوقوف ببابه وازدحم مجلسه فقال علي بن عيسى يخاطب جلساءه بأبيات لأبي العتاهية: لكُلّ أمرٍ جَرَى فيـهِ القَضَا سَبَبُ والدَّهرُ فيهِ وفِي تصرِيفِهِ عَجَبُ مَا النَّاسُ إلاَّ مَعَ الدُّنْيا وصَاحِبِهَا فكيفَ مَا انقلَبَتْ يَوْماً بِهِ انقلبُوا يُعَظّمُونَ أخا الدّنْيا، فإنْ وثَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمـــــاً بما لا يَشتَهي وَثَبُوا وقال آخر: ما أكثر الإخوان حين تعدّهـــم ولكنهم في النائبــــــــــات قليلُ وقال البحتري: إياكَ تغْتَرّ أو تَخْدعْكَ بارِقَــــــةٌ مَـنْ ذِي خِداعٍ يُرِي بِشْراً وإِلْطَافا فَلَوْ قلََبْتَ جميع الأرضِ قاطِبــَةً وسرتَ في الأرضِ أوساطاً وأطرافا لم تلْقَ فيها صَدُوقاً صادِقاً أَبداً ولاَ أَخــاً يَبْذُلُ الإِنصافَ إنْ صافَى وقال آخر: لـمّا رأيتُ بَني الزّمانِ وما بهِم خـلٌّ وفيٌّ للشدائدِ أصطفي فَعلِمتُ أنّ المستحيلَ ثلاثـةٌ الغُولُ والعَنقاءُ والخِلّ الوَفي وها هو الشاعر أبو تمام يبحث عن صاحبٍ، ولكنْ بشروطٍ من أجمل شروط الصاحب الوفيِّ فيقول: مَـــــــن لي بإنسانٍ إذا أغضبتُهُ وجهلتُ كان الحِلمُ ردَّ جوابهِ وإذا صبوتُ إلى المُدامِ شربتُ مِن أخلاقــــهِ وَسَكِرْتُ مِن آدابِهِ وتراهُ يُصْغِي للحديثِ بطــــــَرْفِهِ وبقـــــــلبِهِ، ولعلَّهُ أدرى بِهِ!