صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لو تركناها تتحدث

لطالما وددت لو تحدثت على انفراد مع بعض الآلات الموسيقية، ثمة حوار بعضه طويل، وبعضه جميل، وبعضه الآخر سابح في عمق أشياء الحياة، لا يمكن أن أرى آلة موسيقية في الشارع تناديني، ولا أتوقف محباً لا مجبراً، لا يمكنني إلا أن أتعاطف مع أولئك العازفين البائسين، منهم بنصف موهبة، لكن الفقر يدّق عظمه، بعضهم ضائع مع موهبته الجميلة بين الحياة والحظ الذي قد يتأخر طويلاً، وقد لا يأتي، وبعضهم الآخر، يمارس الأسفار في المدن متأبطاً موسيقاه التي تعينه على الحياة، وعدم السقوط جوعاً على الأرصفة الكثيرة، هذه بعض الآلات التي أحب صوتها، وأراها بصورة مختلفة ككائنات صوتية في الحياة لا تؤذي أحداً، كثيراً ما تستدعي دمعاً هارباً، وكثيراً ما ترقّص القلب بين الضلوع، وكثيراً ما يأتي نغمها محملاً بصور جميلة مسافرة في الرأس، وكثيراً جداً تجعل النفس تهدأ من ضجيجها، وشرورها، ناشدة الحب الذي فيها:- السكسفون: آلهة الليل حين تنزل من عليائها الجبلي، تضمد بصوتها المسكون المتعبين من وحشة الزرقة، وتهدهد ما هو جميل في غياب الشمس، مثل مطر باغت الطرقات مثلاً أو عاشق يبحث عن وجه فلت منه في الزحام أو قلوب متصدعة بلوعة الفراق أو هناك سفر قد يحطم شيئاً غير الزجاج. الكمان: بكاء أرملة صغيرة يهزّها حزنها الحقيقي، فلا تعرف، أتبكي الغائب أم تبكي نفسها. العود: همهمات شيخ صوفي، كثيراً ما يجلب الفجر معه، ودعوات الأمل الرطبة. التشيللو: آه.. كم يشبه جثة عزيز، يسحبه عازفه على صدره خشية لحظة الفراق السرمدي، يظل ينتحب مفرغاً ما في جوفه من وجع. البيانو: تلك سفينة غارقة وحدها في بحر يزاغي أمواجه، لا تريد أن تنتشلها لكي لا يضيع ذلك النغم بين فرحة الماء، وحزن اليابسة. الناي: كل شجن النفس البشرية قبل أن تغادر الغاب، وحده من يطلق للمراعي مداها، وتلك الحقول الغارقة في زي ألوانها فضائها، وحده من يمكنه أن يقول لكائنات البراري تعالي. الغيتار: بهجة الغجر في ترحال صبحهم المبكر أو في ليلهم حين تتعب خيولهم، وتبدأ أغانيهم. الطبول: هي ركضات براري أفريقيا، وتلك الطقوس الوسطية بين الطوطم، وبين رعود وبروق ومطر، والخوف الخارج من النفس حين تستوحش غابها. الفلوت: مثل فراشة ملونة هاربة من الندى إلى الندى، ووهج هباء الضوء المنثور. الأكورديون: يشبه راقصة بدينة لها فرحتها وخفتها التي تحسد عليها، ولا تبالي إلا بنفسها. بان فلوت القصب: كساحرة هاربة من الدغل، لأنها سرقت من الماء باقي خريره، ومن الريح شغبها، ودنت من الشقشقة التي تحدثها أوراق الخريف حين تستقبل مطراً في حينه. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء