لا ندري من هم مؤلفو ومصممو تلك النكات التي تصلنا عبر التليفون، ونتلقاها بعفوية، مُتعمدة، فنضحك ونرسلها بدورنا لآخرين، بهدف إدخال البهجة، ونشر الابتسامة، وتغيير مجرى يومهم؛ وننسى أننا بذلك ضحكنا بمفردنا- كما سيفعلون- فتضحك الدنيا علينا بقصدٍ لا نعرف خباياه! إن النكات التي ترد منفصلة عن محيطها الواقعي، تعزلنا عن الكم التراكمي والإبداع الجماعي والثقافي للفكاهة، وهو العنصر الرئيس في تكوين النكتة الهادفة، لذا فإن وضعنا طرائف المجتمع وإفرازاته تقع كما تتساقط الثمار قريبة من الأشجار التي حملتها، وبالتالي لا تكون في إطار الفردية المطلقة، ولكنها تبعد عن الجمع، لتضرب جذورها وتلتصق قريباً منه. ومن الخطورة بمكان أن نفترض أن «صناعة الضحك هي من اختصاص البعض وليس الكل». أرى أن الضحك ومتعلقاته الفكرية والفلسفية لا تقف عند فردٍ من دون سواه، وإلا لما تجمهر الشباب لشراء الأجهزة الأسرع في نقل ما تنضح به الشباك الشائكة عليهم من زخمٍ مضحك، مفزع، غريب وآخر سخيف! إن بعض هذه النكات تُذكرني بمبدأ يتبعه مجردو القيم في استخدام الضحك كأسلوب لتمرير المعلومات أو جس النبض أو الاستخفاف بالشيء، أي مبدأ نعرفه شعبياً بأنه «أفشّْ غـلّْي في مزاحٍ ليّْ». فأنا أعتبر ما يصل المرء من أقرانه ومشاركيه في مجموعته على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس هويته وأبعاد شخصيته وتطلعاته. ويبقى السؤال ذاته من هو صاحب الفكرة الأساسية لهذه النكات، وحافظ مكامن أسرارها، ومتصرف مطلق لتلك الأبواب التي يدقها، فيدخل بيوتنا وعقولنا وأجواءنا فلا نقف على المعنى والمغزى، ولكنا نكتفي بشغف الحياة وحبها فنضحك بلا تردد. نعيش في وطنٍ جلب لنا السعادة من قبل أن تُثبت الدراسات والأبحاث الطبية أن الضحك يشتت المشاعر السلبية، ويقلبها إلى طاقة إيجابية، تعمل على الاسترخاء العاطفي والبدني، فيساهم في تمكين المرء من اتخاذ قراراته، بعيداً عن ضغوط النفس والذهن. فليضحك شعب الإمارات معبراً عن واقعٍ يعزز الاستقرار والحب والسعادة، وعلينا أن نكون وراء هذه الضحكات قلباً وقالباً، فهي جزء من هويتنا، ومن ذاكرتي أستعيد فكرة البأس إذ يتكاتف الناس لدحض الكآبة، فيقولون للمكتئب «بلاك مغندم جنه مركبك طابع»! وعلى عكس ذلك اليوم نترك «المغندم» في حاله فلا ننتشله من مستنقعات الهم بذاته بدواعي الخصوصية! فهناك من لا نتواصل معه كما ينبغي، ولا نسأل عن حاله كما يجب، ولكنا نرسل له تلك الفكاهات الإلكترونية، وكأنها حلت محل السؤال عن الحال.. وهذه هي الحال. أيها السيدات والسادة، الضحك عملٌ مقدس وإنساني جماعي، تفرزه كتلة المجتمع، فينبع من قيمها السامية، وعلينا أن نقف عند محطاته لنتفكر في عمقها ونستسقي من مخرجاتها ومؤثراتها التنفيذية. ونفكر في استدامة هذه الطاقة مجتمعياً، فلا نعتمد على مصادر مجهولة تجلب لنا سموم الفرقة والعداء، على حساب الضحك، فهو مثل رقعة الثوب، عليها أن تتماشى مع نسيجه وألوانه. للعارفين أقول، أتوق إلى يوم يجيء نضحك فيه فننسى البكاء. د. عائشة بالخير | bilkhair@hotmail.com