صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

على الطريقة اليابانية


تختلف الشعوب في طريقة احتجاجها، وعلانية رفضها، لأنهم يعتبرونه نوعاً من الخلاص والتطهر، والسمو بالروح والنفس، حسب فلسفات ومعتقدات الشعوب، لكن أكثر هذه الشعوب ظرفاً وقوة في الاحتجاج، هم اليابانيون، حيث لهم من أساليب الرفض المؤدب والحضاري الكثير، فالموظف الذي لديه مشكلة أو اعتراض ما، يلف حول زنده خرقة ملونة مثل إشارة كابتن فريق كرة القدم، وإذا غضبت الزوجة اليابانية من زوجها، وهذا نادراً ما يحدث، لأن الزوج الياباني مدلل ولا مثل سي سيد في روايات نجيب محفوظ، حيث يحظى بالاحترام والتبجيل، ورفاهية الخدمة الملوكية، لأن المرأة اليابانية تدرس طريقة خدمة زوجها مثل فتيات الجيشا·
إذا أرادت اليابانية الاحتجاج أو المطالبة بشيء تضع شيئاً من أغراض البيت عند الباب أو تعلق نوعاً من الزهور عند عتبة الباب، والموظف الياباني إذ أراد رؤساؤه أن يعاقبوه لأنه ارتكب نوعاً من الخطأ في العمل، يعطى إجازة، فيصبح حاملاً العار بين زملائه، لا يعرف أين يقبل بوجهه، أما لو حدث هذا عندنا، فنصف الشعب العربي، ستراهم في الحدائق شوي لحم، وتقشير برتقال والله الحبايب غلطانين في العمل وجزاؤهم إعطاؤهم إجازة عمل مؤقتة·
حديثي اليوم عن اليابان، وعن اليابانيين هو هذا الاحترام الذي تفرضه بعض الشعوب لنفسها، وهذا التقدير الذي يصبح لصيقاً بها، لأنها صنعت نفسها، ونهضت من رماد هزائمها، بنت بلدانها المدكوكة بالقذائف والقنابل الذرية، تعملقت اقتصادياً حتى غدت غولا، امتد إلى ناطحات السحاب في الشوارع المهمة في أمريكا، وصناعة السينما، والشركات العملاقة، هذا الاقتصاد الوحيد الذي يهابه الدولار الأخضر، ويضطر الأمريكي المتعجرف بطريقته الهوليودية، برفس باب الدخول أو أن يضع رجليه على طاولة المكتب إلى تعلم أداء التحية بالطريقة اليابانية مع ابتسامته المتخشبة، والتي تحتاج إلى مران طويل لكي تلين·
الحديث المبجل عن بعض الشعوب، يجب أ لاّ يجعلنا غير منصفين للبعض الآخر، إنما هي وجهة نظر عابرة، ساقتها الظروف وما بشرت به المواقف الإنسانية التي تجعلنا نحن العرب أحياناً كثيرة ننحني إكباراً لها أو نخجل من أنفسنا حد الضجر، تذكرون الفتية والفتيات الأجانب حين كانوا يتراصون حول عرفات في حصاره الأخير، بعضهم بايعه على الدم، وبعضهم الآخر قرر أن يدفن معه، الشعوب حين تكون واعية، يا الله كم تكون الدنيا جميلة!! وكم يكون حجم الكرامة والكبرياء·
ذكرني موقف أولئك الفتية القادمين من بعيد، بموقف وصل حد الانتحار الجماعي، حين ناموا على قضبان سكة الحديد لكيلا يمر قطار الموت المحمل بالنفايات النووية إلى مدينتهم، ونجحوا، وبموقفهم حين خرجوا في الدول الاسكندنافية متظاهرين مع مصر، وأطفال مصر، وشعب مصر، لأن بعض التجار من الطرفين سوقوا حليباً ملوثاً وصدروه إلى مصر، لقد خرجوا محتجين مستنفرين، غاضبين، والشعب العربي مندهش:
هو في إيه·· طب وماله··
ونختم حديثنا عن تكاوي هيموري الذي أشعل النيران في جسده في حديقة العاصمة اليابانية طوكيو قبل أربع سنوات، احتجاجاً ورفضاً للذي يجري للشعب الفلسطيني والحصار المفروض عليه وعلى رئيسه المتسلح بمسدسه القديم، هيموري كان من الناشطين في الدفاع عن القضية الفلسطينية منذ مجزرة صبرا وشاتيلا ، قبل أربعة وعشرين عاماً حيث ساهم قبل مدة في مظاهرة كبيرة عرفت بمسيرة الشموع، اشتعال هيموري، هو جزء من طريقة الانتحار الياباني الهاراكيري التي كان يقدم عليها فرسان الساموراي حيث لا تحرم الديانتان الرئيسيتان في اليابان، البوذية والشينتوية هذا الانتحار، لأنهم يعتقدون أنها لأغراض نبيلة وسامية، وجزء من الشرف العالي·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء