طالما كانت هناك حياة، وبشر يكتفون ببشريتهم، وإنسان يرتقي فوق شرطه البشري ليلامس إنسانيته بوعي صادق وحقيقي، وطالما بقيت الصراعات، والخلافات والمصالح واختلاف الأفكار والمبادئ، فإن ثنائية الصورة ستبقى متسيدة في كل المشاهد والمواقف، سيبقى الصدق والكذب جنبا إلى جنب، والوفاء والخيانة، والشر يجاور الخير، سيتقاطع معه أحيانا، سيغلبه أحيانا وسيعقد معه هدنة حماية مصالح أحيانا أخرى، وقد يشن معه معركة تعديل الموازين وتحسين شروط التفاوض، هكذا في الحياة الفردية للإنسان العادي كما في حياة المجتمع وسياسات الدول الصغرى والعظمى معا، وحين نعارض موقفا ما في السياسة أو الثقافة فليس شرطاً أن يكون الموقف شراً بحتاً أو سوءاً مطلقاً بدليل أن هناك من يوافق ذلك المبدأ ويؤيده بل ويرفعه عالياً، نكتشف في نهاية الأمر أن المصالح هي المحرك الأول لعجلة الحياة وربما التاريخ وليس الاقتصاد كما قال ماركس وهيجل وغيرهما! إن القول الذي ينسب للقادة الإنجليز أمثال تشرشل ومارجريت تاتشر حول أنه لا توجد علاقات دائمة ولا صداقات دائمة ولكن توجد مصالح دائمة، لا يمكن الاختلاف عليه في حقيقة الأمر، حتى وإن أبدى البعض تحفظاتهم وأحيانا معارضتهم له بشيء من الغضب، ففي الحقيقة يحب كثير من الناس أن يظهروا على غير حقيقتهم حين يتعلق الأمر بالماديات والمصالح، إننا جميعا قد نتقاتل لأجل مصالحنا لكننا حين نجلس أمام الكاميرات والمايكرفونات، أمام الإعلام تحديدا لنتحدث عما نؤمن، فإننا غالبا ما نغلف صراعاتنا وشرورنا بكثير من السكر، أي بالتمسك بالقيم والدفاع عن الحق، ونصرة المظلوم، والتضحية في سبيل الواجب مهما يكن الطريق وعراً و.... يجيد البعض صناعة الخلطات وتغليف البشاعة بشيء من كل شيء، يقولون نحن لا نكذب لكننا نتجمل، وأحيانا نتلمع أو نتجمع! حين جلجلت زغاريد جماعة “حزب الله” فرحا بانتصارهم في القصير، كانت القصير مدينة قد تحولت ركاما، أشلاء، وذكرى مكان وبشر وأطفال، من كانوا يسمون أنفسهم بالمقاومين تحولوا لحظة حضور المصالح إلى مجرد ميليشيا طائفية بائسة، فرقة شبيحة لا أكثر وجموع من المرتزقة الذين لا يعنيهم الدم وأرواح الأطفال وصراخ النساء وموت الرجال، لا يعنيهم أي شيء لا علاقة له بمصالحهم ومن يخدمونهم، هم الذين ملؤوا الأرض والسماء جعجعة حول الحق والخير والسلام وحماية المقدسات والذود عن الحقوق، فكيف رأى هؤلاء أطفال القصير ونساء القصير وهم يمنعون عنهم الماء والحليب والغذاء والدواء؟ هل استحضروا شيئا من التاريخ فاشتعلت ذاكرة الثأر في قلوبهم؟ أم أنها المصالح وحدها كانت المحرك والدافع لكل تلك الشراسة المقيتة؟ إن الذي يحدث في سوريا والمنطقة كلها، لا علاقة له بإرث الثورات وتاريخ النضالات النقية والإصلاح والتغيير، الذي يحدث خطة محكمة لتدمير المنطقة بيد أهلها ومساعدة الخارج، خليط من القبح لا نهاية له، في سوريا حرب بدت لأيام مشروعة ثم انقلبت إلى معادلة مصالح كبرى بامتياز (كما في مصر وليبيا و..)، تضافرت لإعلاء شأنها واستمرار حريقها الكبير: الطائفية والإرهاب والتطرف المال وتجارة السلاح وتوظيف الشعارات ولعبة الإعلام والصورة، بينما الأبرياء ينزفون دمهم والأرض تشرب دونما ارتواء! لا مجال لإيقاف هذا الحريق الكبير لا بإعادة الزمن إلى الوراء، أو تغيير معادلة الإنسان والمصالح، أو محاولة إقناعنا مجددا بأسطورية المقاومة ونقاء الثورات المجيدة.. إن ذلك صعب جدا الآن بعد أن أصبحت الأوهام حقائقَ أكثر وضوحاً من أي زمن مضى! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com