صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

إنها الصحراء

بصراحة ومن دون أي مبالغة -للأسف الشديد- كنت وما زلت أجد حول هذا الوطن الجميل الكثير من نظرات الإعجاب المشبعة بالغيرة في عيون بعض العرب والأجانب، سواء أكانوا أفراداً عبروا بالمكان، فترك فيهم أثراً عميقاً، كان أكبر من أن يستوعبوه أو من مقيمين قيموا الأمر برمته وكأنه مصادفة في غير محلها، ولمن لا يستحقها! تتحول هذه الغيرة أحياناً إلى مشاعر حسد، تصل لحد الحقد الحقيقي! ويبدو هذا أكثر وضوحاً ممن لم يطأوا أرض الإمارات، ولم يتعاملوا مع أهلها، ولكنهم سمعوا عنها! في أحد برامج هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي ) العربية، استقبل البرنامج عبر إحدى فقراته مشاركات الجمهور العربي، مستطلعاً رأيهم في موضوع “التحدي الإنساني”، ومتى يكون محموداً ومطلوباً؛ عرض المتصلون بعض رؤاهم حول أهمية التحدي والمنافسة التي كثيراً ما تعود نتائجها إلى أبعد من الشخص القائم بها، فيسعد بها الوطن، عندما يرفع علمه عالياً؛ حتى الآن يبدو الأمر محموداً، إلى أن جاءت مداخلة من متابع عربي قال فيها استهزاء: لا أدري ما نوع التحدي والفائدة من بناء العمارات وإنشاء أطول برج في العالم في الصحراء! أين التحدي فيما يفعلون؟!! يتكرر ذلك كثيراً، ودائماً، وأعتقد أنه سيظل إلى أبد الآبدين. ستظل الصحراء محل استهزاء هذه الشاكلة، وسيبقى ما يقام على أرض الإمارات من تطور على المستويات كافة، وما تبع ذلك من صيت عالمي، دفع باسم الدولة في تصنيفات لم تطأها دول عربية من قبل، مثيراً لحفيظة كُثر. فبناء أطول وأغرب وأكبر ليس التحدي الذي تدخله الإمارات، إنما هذا وغيره من منجزات حققتها الإمارات، وضعها في مراحل متقدمة في قائمة الدول الأكثر سعادة في العالم، ومؤخراً المرتبة الأولى عربياً، والـ27 عالمياً في قائمة الدول الأكثر نزاهة وشفافية، والمرتبة التاسعة عالمياً بين الوجهات الأكثر استقطاباً للاستثمار الأجنبي المباشر، وفي المرتبة الـ11 عالمياً بين قائمة البلدان المصدرة لرؤوس الأموال، المركز الرابع في قائمة أكثر دول العالم ثراءً على أساس نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي؛ كل هذه التقديرات، وغيرها، هي نتيجة النجاح في التحدي الذي تخوضه دولة الإمارات العربية المتحدة في استثمار إمكاناتها بشكل أكثر نجاعة من غيرها، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات البشرية والجغرافية والسياسية وحتى الاقتصادية المحيطة بها. ??? لولا القدرة على الحلم والتحليق به في سماء هذه الصحراء، لما كانت الفكرة؛ ولولا النفوس الطيبة والمنفتحة على الآخر بوسع الصحراء الشاسعة لأصحاب الحلم، لما نُفذت الفكرة؛ ولولا القدرة على الحب والرغبة في العطاء، لما تميّز الُمنجز؛ ولولا العزم والإصرار الذي يعرفه ابن الصحراء جيداً، لما بقيَّ هذا المنجز. هذا هو التحدي الذي أذهل الكثيرين، والذي جعل الصحراء قِبلة أصحاب الأحلام الراغبين في التحليق بأنفسهم، هذا هو التحدي بمعناه المتجلي. وسواء كنت معجباً أو غيوراً أو حاسداً أو حتى إذا كنت حاقدا، سيظل هذا الحلم الذي تحقق في أرض الصحراء، دليلاً على نجاح ابن هذه الأرض القاحلة في تحديه، والأهم من ذلك قدرته في الحفاظ على مُنجزه، فيما عجز عن ذلك أبناء الربوع والوديان. السعد المنهالي | Als.almenhaly@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء