نعود إلى ما بدأناه في مقال الأمس، ونقول إن ما يفسر حقيقة ديكتاتورية الديمقراطية هو هذا الشحن من الأفكار وتراكماتها، وما يضاف إليها من محسنات بديعية، تظهر أن الديمقراطية ما هي إلا قطنة شفافة على جرح الديكتاتورية الغائر، لأن الأبدي تغلب على الراهن مهما بدا له من بريق، ولو لاحظنا كيف يتم النقاش في البرلمانات في أهم الدول الديمقراطية، وما يبدو من صراع يصل إلى تشابك بالأيدي، سنجد أن الديمقراطية تترنح لمجرد ارتفاع حدة الشحنات في الأنا الفردية، هنا تذبل شجرة الديمقراطية وتتساقط أوراقها وتيبس أغصانها، وتبدو هذه الشجرة مثل حبال قديمة معلقة في السماء، وتغيب كلياً فكرة الديمقراطية المكتوبة في السجلات القانونية، وتبرز إلى الوجود أنياب صفراء هي من زمن عاد وثمود، وتكشر ديكتاتورية الأنا الفردية عن أسنان أشبه بالأنصال الحادة، ترعب وترهب وتذهب جل الخيالات عن الديمقراطية إلى الجحيم، ولا تبقي ولا تذر، ألم يكن فولتير من مناهضي بؤس الكنيسة، إنه عندما اختلف مع رفيق الدرب روسو، نعته بأفظع الأوصاف، وعلى الرغم من تفوهه بالمقولة المشهورة، من أنه مستعد لدفع حياته، ثمناً للدفاع عن وجهة نظر روسو على الرغم من خلافه معه، لكن هذه العبارة لا تنفي التشدق الحار بالفكرة، ورفض الفكرة المغايرة، كما لا تعفي فولتير من جريرة أنه كان المجحف الحقيقي لأفكار روسو الإنسانية البحتة، والتي دعت إلى العودة المباشرة إلى الطبيعة، إن أراد الإنسان أن يتخلص من عذاباته الدنيوية، وهذه الأفكار التي اعتبرها فولتير رجعية وعودة إلى الوراء، مما تخالف رغبة الإنسان في التطور. ولو نعود إلى الجذر الحقيقي لسبب هذا الصدام، سنجد أن العالم في وسط دائرة الحياة، وهي المكونة من دائرة مركزها الحب، ومحيطها الحرية، قد غادر أحد المكونين للحياة، ففي الشرق حب أعمى بلا حرية، وفي الغرب حرية حمقى بلا حب، وفي الحالتين تمضي الحياة، إما مكشوفة بلا محيط أو خاوية بلا مركز، وتصبح العلاقات بين الأفراد تحكمها الأنا، هذه الأنا المباغتة في فرض أحكامها المتزمتة، الخارقة في وضع المياسم على الجسد، فتضيع الإنسانية بين حب غائب أو حرية تائهة، وتصبح الحياة مجرد مسرحية هزلية، يقوم بأدوارها ممثلون فاشلون، يدعون النجاح في القبض على ثيمة الموضوع الرئيس، ولكنهم لا يقدمون إلا الخدعة وهشاشة الفن.