صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أنانيون

بعض سائقي السيارات، اتخذ قراراً صارماً، وفكر فكرة جهنمية، لا تخر ولا تفر ولا تمر إلا عبر ذهنيته الفصامية·· الفكرة أن بعض السائقين اتخذ من الشوارع منفضة كبيرة لسيجارته وأعقابها·· فعندما تقف في طابور السيارات أمام أي إشارة، تجد أحدهم، وقد قرفص ساقيه وكأنه يتكئ على أريكة في مجلس من مجالس كبار القوم، فأشعل السيجارة معها، ارتفع صوت الموسيقى الصاخبة وراح الرجل منسجماً، منعدماً من القيم والأخلاق ليصب جحيم بقايا سيجارته على الأسفلت وأحياناً تتطاير الأعقاب مع الرماد في عيون الأبرياء من ساقهم الحظ السيئ للوقوف بجانبه ولا من سمع ولا من رأى ولا من منعته أخلاقه من الإساءة إلى الآخرين وتشويه المال العام·· ظاهرة تفسر مدى الأنانية وعمق المأساة الأخلاقية التي يعاني منها البعض، وفداحة القيم التي يخسرها الناس وهم يمارسون مثل هذه العادات والسلوكيات المسفة والمسفهة لكل ما هو جميل ولكل ما هو ثمين في حياتنا· والمدهش في الأمر أن من يفعل هذه الأمور لا يخجل ولا يوجل ولا يلتفت إلى من حوله بل هو يتصرف فيما يتصرف وكأن هذا الشارع الذي صرف عليه الملايين بات ملكاً لصاحب السيارة، وأن ما يفعله هو طبيعي ولا يحتاج إلى الاستنكار والرفض، الأمر الذي يجعله لا يلقي بالاً إلى نظرات الناس من حوله المستنكفة لهذا الفعل بل إنه يغض الطرف ويبالغ في نفث وطئه، وقذف رماده، ورمي أعقابه، بكل صلافة وسخافة واستخفاف بمشاعر الناس الذين يشعرون بالألم، وهم يرون هذه الأعقاب تتقلب على الأسفلت بكل حرية، دون رادع، أو مانع، أو منازع· لقد صدر من قبل قرار بمعاقبة كل من يرمي المخلفات في الشوارع، وامتنع الناس لفترة وجيزة ثم عادت حليمة لعادتها القديمة، بعد أن مات القرار ودفن تحت ركام من الرماد وبقايا ما تقذفه الأيدي اللئيمة والنفوس الذميمة وكأن شيئاً لم يكن·· أقول لمثل هكذا بشر لابد من الملاحقة ولابد من تسليط القوانين والقرارات الصارمة والحاسمة لمنع هذا التدهور الأخلاقي ولكبح هذه النفوس الرعناء ولفض اشتباكها مع ذاتها المتورمة والمتخمة برباط الأنانية الفج والمقيت·· وأتصور أن إعادة إحياء القرار السابق سوف يعيد الحياة لشوارعنا لتتنفس هواءً نقياً طلقاً، نظيفاً من قذارات المسيئين، معافى من حثالات من تستهويهم المنافض المجانية والتي لا تكلفهم جهداً ولا مالاً غير أنهم يمدون أيديهم من خلال النوافذ الزجاجية ويلقون رداءاتهم في عرض الشارع ثم إقفالها للاستمرار بنفس الأفعال التي تشمئز لها الأبدان وتقشعر لها الجلود· مساكين هؤلاء عمال النظافة الذين يلوبون ليل نهار بإضاءة ظهر، وسح عرق، وكد جسد، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وجه كان لابد أن يبقى مشرقاً، بارقاً بنظافته، لولا عبث العابثين، ونفث النافثين· مساكين هؤلاء العمال الذين لا ينفض لهم سامر وهم يجولون الشوارع والأرصفة بعد أن ابتلاهم الله، كما ابتلى الأرض بنماذج بشرية غريبة وعجيبة، ومريبة لا يهدأ لها بال إلا إذا تجاوزت القرارات ومادت عن الحق، واعتلت منصة التدمير لكل ما هو جميل وأصيل·· نقول خراب الديار من خراب النفوس، والنفوس الشائهة لا ترى شيئاً جميلاً في الحياة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء