بعد الصيت والصوت الذي حظيت به كرة القدم، وبعد أن شاهدنا هذا الاحتفاء العالمي بالمستديرة التي أدارت عقل جهة الحب بدلاً من الكراهية، واستطاعت أن تلون أحلام الناس بلون أخضر مزروع من عشب الأقدام الذهبية التي تدير مونديال الكرة، وتتقدم به نحو غايات الجمال والفرح، العالم اليوم بحاجة إلى أكثر من مسابقة رياضية، كي يغسل ثياب حياتنا من البقع السوداء التي تخلفها الحروب والاصطفافات اللونية والدينية والطائفية والثقافية، نحن بحاجة إلى الرياضة لأنها السبيل الوحيد الذي يستطيع أن يغير البوصلة الأيديولوجية، باتجاه السلام والوئام واحترام آدمية الإنسان والتخلص من صهد الأنا المتورمة، ولظى العقل الخارج من حدود العقل، والداخل في كهف التوحش وقانون الغاب. عندما ترى لاعب الكرة وهو يجري خلف الكرة تشعر أنه خلَّف وراءه حزمة من الأعواد المحترقة، جرّاء الأحقاد البشرية التي لا يبررها غير جهل الإنسان بقيمة الحياة، وأهمية أن يتلاحم البشر من أجل محاربة الفقر والمرض والجهل والكوارث الطبيعية، وعندما تجد هذه الجماهير الغفيرة من الناس وهم يصفقون ويهتفون للتشجيع وشحذ الهمم، تشعر أن هذا الجمال البشري من الممكن أن يتكرر في كثير من الميادين، لو تخلص البشر من التقوقع حول مصالح الذات والتوجه بالقدرات نحو التآلف والتحالف ضد الكراهية، وضد تمزيق القدرات في رغبات وهمية لا نتيجة لها غير الدمار لمقدرات الطبيعة، وتهشيم خيمة الحضارة وتحويلها إلى أثر بعد عين. ولو تخيلنا أن القارات الخمس تحولت إلى ملاعب رياضية، وإلى أعراس فرح، وتحرر العالم من الكبرياء المزعومة وترك كل الأوهام وراءه، وسار إلى نهر الحياة ليروي غزلان الحلم من عذوبة الطبيعة، ويرعى ركابه من عشب التفاؤل، متجنباً كل ما يفرق الإنسان عن الإنسان، ويبعد الأوطان عن الأوطان، لو تحلل الإنسان من أوهام التاريخ وأكاذيب كتابه المؤدلجين سوف يتغير الوجدان البشري، وسوف ترتفع أشجاره بحيث تصبح ظلاً ظليلاً لرؤوس الناس تحميهم من حرقات ما يلقى عليهم من أفكار مسمومة، وثقافات بالية لا قيمة لها غير أنها تسمم وتسقم وتغم وتحول الحياة من بستان أخضر إلى نفاية تزخر بعتمة اللون ومسخ الوجود. أتمنى أن أستيقظ في صباح يوم، وأسمع خبراً عن نشوء اتحاد عالمي يقوده رياضي، يضع شعاره أن الحب هو أول ما يحلم به هذا الاتحاد.. أتمنى ذلك ولو أن ما يحدث في عالمنا مخيف ومرعب ولا يضيء طريقاً للتفاؤل.