صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

نهاية الورّاقين محزنة

ناصر الظاهري
استماع

كلما أعلنت جريدة ورقية أو مجلة عريقة عن تعليق نشرها الورقي، وطيّ صفحة الحبر والقرطاس، شعرت بغصة وضيق في الصدر، لا أدري ربما وكأننا نودع أنفسنا نحن الورّاقين الذين اعتدنا المطالعة الورقية، ونشأت علاقة حميمية بيننا وبين القرطاس، فالجريدة تزين طاولة إفطار الصباح، وتكون مستلقية بالقرب من فنجان القهوة، ومنفضة السجائر، وبعضنا يتأبطها حين عودته من عمله، وبعض آخر يخزنها لقراءة الجمعة والسبت المطولة، وحين تصبح أخبارها بائتة، تكون من نصيب الخبّاز واللحام، وخواناً للعزاب الذين لا يطيب لهم الأكل إلا على الجرائد، واكتشفت ربات البيوت وشغالاتهن أن الجريدة الورقية أفضل ماسح للنوافذ والأسطح الزجاجية، لذا حين تنعى جريدة نفسها، وتؤبن حالها معتذرة عن المغيب القسري، نشعر كم كنا متعودين عليها، وكانت جزءاً من مفردات يوم الكثيرين.
تداعت الصحف الكبيرة، والمجلات الشهيرة في أوروبا وأميركا، وعالمنا العربي واحدة تلو الأخرى، وآخرها وليست الأخيرة صحيفة «الاكسبرس» التي وضعت عنوان نعشها بحبر فيه غصة الوداع والتشفي: «ابقوا مع هواتفكم الحقيرة»، ولعل السبب الرئيس في تهاوي الصحف، وعزوف قراء الورق، ونشاط جيل جديد رقمي إلكتروني في أوروبا وأميركا هو وصول الشبكة الإلكترونية وعملها بكفاءة عالية في محطات القطار الأرضية، وفي السماوات، مما جعل تلك الألواح الرقمية التي بلا دسر في الحضن، وفي متناول اليد، وتحت العين والبصر، فساهمت تلك المسألة في دق المسامير الأخيرة في نعوش الصحف الورقية.
تبقى مشكلة أن الورّاقين كانوا قراء نهمين، ومطالعين مواظبين، وبعضهم يفلي الجريدة فَلْياً، القراء الرقميون عددهم كثير، ويفوق الورّاقين، لكنهم لا يقرؤون، فقط يطالعون، ويكتفون بالعناوين، ويفضلون الملخصات، ويحبذون الصورة والصوت على الحرف، وبالتالي هذا لا يشكل معرفة عميقة، ولا يشكل وعياً ثقافياً متبحراً، بحيث يمكن أن يجيبك القارئ الرقمي عن مدينة، ويعرف كيف يسلك أموره فيها، ويتعامل مع «ايبر تاكسي»، ويعرف عناوين ما يريد من خلال هاتفه، أما اذهب عميقاً في تاريخها، ودلالة اسمها، فالعوض بسلامتك، طيب دعه يذهب بعيداً في المعرفة، مثلاً في أي قارة هذه المدينة، طيب في أي بلد، وهل الحكم جمهوري أم ملكي؟ سيهز القارئ الإلكتروني رأسه، ويقول: ما يخصه! لأن عمه «جوجل» حاضر، وبنقرات يستطيع عد البقرات، تعال وشوف الورّاقين، والحرس القديم، وجرب تسأله سؤالاً عابراً، حينها لن يكتفي بالإجابة المبسطة، بل سيستطرد، ويهلّ ما في رأسه، ويفيض بما في جعبته، ولن يترك شيئاً في كنانته، وسيفتّ لك اللحم من العظم، وسيربط لك الطارف بالتليد.. هذا الفرق!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء