إذا أردت أن تتعرف على الشعوب استمع إلى أغانيهم·· فالأغنية تشكل واقع حياة الناس في معظم المجتمعات، وهى قياس حقيقي لثقافات الأجيال وميولهم تجاه الواقع المعاش، ففي روايته '' عشت لأروي '' يفرد الكاتب الكبير غابرييل ماركيز مساحات كبيرة عن عشقه وزملائه أيام الدراسة للأغاني والموسيقى كأسلوب حياة، ويصفها بأنها كانت الحياة برمتها·· وفي إحدى مقابلات الموسيقار الراحل بليغ حمدي سأله المذيع عن رأيه في الأغنية الشبابية فقال '' اتركوهم فهذه أغنيتهم ''، بمعنى هذه ثقافتهم وحياتهم··· وللأغنية والمغنيين أوقات·· ففيروز تطربك عندما تلقاك في الصباح وهي تشدو '' باعثت لك يا حبيب الروح روحي ''، وكذلك الفنانة الكبيرة صباح وهى تصدح '' ساعات ·· ساعات '' ·· وتثيرك سيدة الغناء العربي أم كلثوم عند الظهيرة عندما تشعر أنها تخاطبك بـ '' فكروني '' و '' من أجل عينيك '' ·· وفي وقت العصر يستهويك عبد الكريم عبد القادر عندما يغني '' ردي الزيارة '' وطلاح مداح في أغنيته الشهيرة '' مقادير ''·· في المساء يطل علينا العندليب الأسمر بـ '' الهوا هواي '' و '' سواح '' و '' موعود '' · '' أكثر أغانينا تشبهنا '' ففي فترة الستينات والسبعينات سيطرت الأغنية الحماسية والثورية على الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج، ولا ينسى أبناء هذا الجيل أغنيات الثنائي '' أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى '' ثم أغاني مارسيل خليفة التي حول فيها قصائد الراحل محمود درويش إلى زاد للمقاومة في لبنان وفلسطين، وباتت من الطرب المفضل لدى قطاع عريض من محبي الطرب الأصيل·· أما الآن فالأغنية السريعة '' الطيارية '' كما يحلو للبعض أن يطلق عليها هي السائدة وذلك لأن إيقاع الحياة أصبح سريعاً وهى بحق تعبير عن نمط حياة شباب اليوم في زمن الإنترنت والوجبات السريعة والمشاعر المحنطة·· وطوال هذه السنوات كانت الأغنية تعبر بصدق عن عواطف ومشاعر الناس وأسلوب حياتهم، فقد تطورت من الهدوء والسكينة والتأمل إلى البوح بما في الصدور ثم التعبير الصريح وبشكل قد يكون صادما للكثيرين، وعلينا ألا نجلد الجيل الحالي بأفكارنا التي لم تعد تناسبهم، فالمطلوب منا فقط أن نوجههم وأن نزرع في يقينهم أن هناك مسافة كبيرة بين الطرب الأصيل والإسفاف· وقد استطاع الشاعر الكويتي الكبير محمد الفايز التعبير عن مشاعره في ''مذكرات بحار '' عندما أنشد: البحر أجمل مـا يكون لولا شعوري بالضياع لولا هروبي من جفاف مدينتي الظمأى وخوفي أن أموت عريان في الأعماق أو في بطن حوت أني أحاذر أن أموت لما أفكر أن لي بيتا ولي فيه عيال لما أحس بأن في الدنيا جمال إبراهيم العسم