صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

ذاكرة مسافرة


الحديث عن فعل الخير الزائد في السفر وأثناء التجوال في مدن الله، وخاصة ذاك غير المطلوب فيه كل هذا الحماس، وشجاعة آخر الليل، بحيث يشعر الآخر أنك غريب حتماً عن هذا البلد أو أنك كفلاح دخل فجأة المدينة وهو محمل بأعباء القرية الأخلاقية والأحكام العائلية، تلك التي تفرضها الشهامة والرجولة والقيم الجميلة، فمن توصيل العجائز، وفسح الطريق للقادم من جهة اليسار، إلى التبرع بتذاكر الـمترو للأفريقيات التائهات في محطاته، إلى متعة الجلوس على مقاهي الأرصفة لقراءة وجوه الناس، ومراقبة ردود أفعالهم من غير اعتداء على حريتهم أو جرح مشاعرهم، هو هذا الفضول القصصي، ولذة القراءة أو الكتابة أو التأمل أو الركون إلى النفس الأمّارة بالحب والمغامرة والتحليق بكل هذه الأجنحة·
وكعادة جميلة أحرص عليها في باريس أو مدن البحر الأبيض المتوسط، كنت أفضل الجلوس لساعات طوال في المقاهي التي تتشرب أشعة الشمس، ويتوزع كراسيها السياح الأجانب من كل مكان، وكنت أختار زاوية جميلة كمشروع لمصور فوتوغرافي لم يستمر طويلاً في هذه المهنة، لاختيار اللقطة المبهرة، لكنني بدلاً من ذلك، كنت أستقبل القادمين من آخر الشارع لأشيعهم بنظرات عيوني إلى آخر الشارع أو تغيبهم المحلات التجارية، فكانت متعة إحضار القادمين وتوديع المغادرين، والفرجة على استعراض ملابس الشعوب، غاية الرجل الفرح والغائب في جمال هذه المدينة، وسحر طقوسها·
وفي مرة من هذه المرات، بدا لي شاب من آخر الرصيف، من أصحاب الجينز المقطع، والشعر المجلود والمغزول مثل شعر بوب مارلي يمشي بطريقة البطة رجل يمين على الجنب، رجل شمال على الجنب الآخر، يمشي وأكتافه تهتز ورأسه يقلبه يمنة ويسرة، كعادة مشي الزنوج المراهقين في الشارع والأفلام، فراقبته من بعيد، وحينما اقترب من المقهى، لمعت عيناه على شنطة إحدى السائحات الفرحانات بباريس، فاكّة نطعها وفاتحة فمها للهواء، فلمحته في اللحظة ذاتها، وكان كلما اقترب، كبرت صورته في عيني، وفي لحظة تشبه انقضاض الطائر، كانت يدي السبّاقة لشنطة المرأة اللاهية بحواجبها، لكنني شعرت مثل النجوم التي تتطاير فجأة أمام الوجه، وبخدر سريع في اليد·
في البداية ذهل الجميع، واعتقدت المرأة وزوجها الخمسيني أبو شورت خاكي، أنني الحرامي، وكل العيون تحولت إليّ، لكن هرب بوب مارلي متحولاً فجأة من مشية البطة إلى ركضة العدائين 100 متر حواجز، وابتسامتي السيراميكية التي توزعت بين الألم والضحكة المرّة، وتقديمي الحقيبة بأدب للسيدة التي غدت مندهشة، وطارت منها فرحة باريس، أنقذني من الاعتقاد الخاطئ، ساعتها حظيت بتصفيق رواد المقهى، وبعبارات الشكر والثناء من الجميع، متمنياً أن لا يتحمس شخص منهم ويشد على يدي شاكراً، أو يربت أحدهم على كتفي حامداً، أو يظهر مدير المقهى كرمه الحاتمي فجأة، ويقدم لي كأساً، لأنني ساعتها كنت أحس بكتفي مثل كم القميص الفاضي الخاوي، ولا أقوى حتى على رفع إصبعي للتشهد، فكيف إن كانت كأساً ممتلئة، باردة، صناعة ألمانيا، ومن مدينة مثل ميونخ أو منطقة بافاريا، وعليك أن ترفعه عالياً في صحة الجميع؟

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء