صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

رجل لم تكن مهنته الفرح


كنت أراه يقطع الشارع قبل ظهيرة دمشق المتقلبة، غير عابئ كثيراً بضجة السيارات والعابرين، تحركه شيخوخة جاءت مبكرة، وتأمل يفحص به الوجوه المتعبة والغريبة عن يوم دمشق الذي اعتاد عليه، ليدلف إلى ركن بارد في مقهى فندق الشام، يتأبط صحفاً غير راض عنها، وكتاباً أهدي إليه قريباً، لن يقرأه بعناية زائدة، كان يعتمر تلك القبعة الصوفية ــ القطنية المختلطة، والتي تشبه قبعات الثوريين اليسار إبان نضالهم الأممي، وخيط دخان سيجارته يسبقه إلى المكان، كانت جلساته في مقهاه الثاني تتراوح بين الداخل أو على الرصيف الذي يرصد أكثر من شارع، بعد أن ودّع مقهاه الأول أبو شفيق في الربوة، كل زوار دمشق الذين يعرفون الرجل، كانوا يمرون به ليلقوا التحية أو ليستمعوا له ولنكاته المرّة وتعليقاته التي تشبه الشوك بصوته الأجش التبغي النكهة، كان الماغوط جزءاً من تفاصيل المدينة ويومها الذي يحمل عطره الدمشقي·
جاء إلى الإمارات على كرسيه المدولب، يتأبط أوجاع الشيخوخة، وعلب أدوية كثيرة كانت تعافها نفسه الأمّارة بالحب والضجر والحياة، لم يكن الماغوط هكذا حين يحط في المدن، يوم ما كانت العافية، وكان الجسد لأحد مغاوير الصاعقة غير المنهزمين، كان في زيارته الأخيرة للإمارات بقدر ما أفرحته، وأفرحت تجربته الشعرية وأفرحت تلك الروح التي هبط عليها الاكتئاب، وسجنها الجسد الذي أثقله نزيف العمر، بقدر ما أحزن رفاقه ومحبيه وتلامذته، حينما كان هنا قبل ربع قرن يحفر في ملحق الخليج الثقافي، وينحت بحثاً عن قصيدة مغايرة وشعر حقيقي، وشاعر يمكن أن يقلده بوصايا الشعر، ويقبل هو أن يتوج بأحمال الإنسان الثقال، كان الماغوط في تلك الرحلة الأخيرة، كآخر أعماله العصفور الأحدب ·
كانت أعماله دائماً ما تسبقه للعواصم، ومسرحياته عادة ما يستر اسمه، ظهور وحضور دريد لحام المسرحي الطاغي في قلوب الناس البسطاء، لكنه رغم ذاك كان يمهر كل أعماله، كما فعل مرة حين قرر الخروج إلى بيروت مئتزراً بقصيدة القتل كانت أعماله سياف الزهور سأخون وطني خارج السرب شقائق النعمان المهرج حزن في ضوء القمر الفرح ليس مهنتي غرفة بملايين الجدران شرق عدن·· غرب الله الأرجوحة ضيعة تشرين غربة كأسك يا وطن الحدود التقرير وادي المسك حكايا الليل هي التي تسبق خطوات الرجل إلى المدن والناس، دون أن يهتم كثيراً إن علق الاسم في ذاكرتهم أم لا·
غرفة بملايين الجدران هي التي سترت شيخوخته وأمراضها الموجعة وتلك الكآبة التي سكنته وسكنت جدرانها، حيث وجد جالساً على أريكته، كأنه يستمع لتراتيل طائر الفجر أو مزامير آلهة الشعر، كان جالساً وآخر عقب من سيجارة في يده، وآخر بقية من عمر في قلبه·· لقد حنّ إلى السلمية أخيراً بعد اثنين وسبعين عاماً من السفر والجنون والشعر والتمرد والبكاء المرّ، لرجل لم تكن يوماً مهنته الفرح·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء