صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الصحافة بين السائل والمسؤول

إهداء إلى شرطة أم القيوين الموقرة
استطاعت الصحافة خلال قرنين من الزمن أن تثبّت حالها في المجتمعات، وأن تتطور بتطورها، حتى غدت السلطة الرابعة في الدول المتقدمة، وصوتاً لمن لا صوت لهم في الدول النامية، وفي الأنظمة الشمولية تلهج بالشكر والدعاء والثناء على مقررات الحزب ونهج الحكومة وتكبر من صنمية الأشخاص المسؤولين، لذلك نهجت الصحافة وفق توجه المجتمعات في النهوض والتطور والرقي، ووفق النظريات الفلسفية المطروحة والتي تسيّر أنظمة الدول الأخرى، كالليبرالية الغربية، والاشتراكية في النظم الشمولية، والنظرية الاجتماعية في أوروبا المتحضرة، وأحياناً تمزج بين نظريتين من أجل النهوض بالمجتمع المتغير، ذي الحراك الاجتماعي·
الصحافة في الإمارات، خطت خطوات مبكرة وسريعة، مستفيدة من الخبرات العربية المختلفة، ساعدها في ذلك توفر رأس المال، والنهضة الشاملة في كافة مناحي الحياة، حتى أصبحت اليوم بعض صحفنا الوطنية تبز الصحف العربية العريقة، والتي كانت تسبقنا بأشواط طويلة· كانت صحافتنا تسير في خط متواز مع تطور المجتمع، وتدعم برامج الحكومة الاتحادية، والحكومات المحلية، واستطاعت في فترات أن تخلق الجدل الاجتماعي حول بعض القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلد، وتثير أو تثري الحوارات التي تخلقها تداعيات القرار الذي يمس المجتمع أو يمس الخدمات والمصالح التي تهم المواطن والمقيم·
الآن·· وبعد أن كبرت وسائل الاتصال وتعددت، ظلت الصحافة محافظة على مكانتها ودورها في خدمة المجتمع، عزز هذا الدور تعلق الناس بها واعتبارها جزءاً من قهوة يومهم ويومياتهم وقضاياهم، كذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الذي كبر، وتعددت مؤسساته الخدماتية التي يجب أن تعي دور الإعلام، وما تقوم به الصحافة بالذات في خدمة الطرفين، الناس والمؤسسات، من أجل الرقي بالمجتمع والصالح العام·
لهذا يجب إيجاد آلية تحكم الجميع، وتضمن الحقوق، وتعرّف بالواجبات، لكي نضمن دوام العلاقة التكاملية والتوافقية والجدلية أيضاً، بين الصحافة ومؤسسات المجتمع·
فليس كل الخدمات التي تقدمها المؤسسات يجب أن تطبل لها الصحافة، وليس مطلوباً منها أن تجامل مسؤولاً على حساب مصلحة الوطن والمواطن، وإلا ستتخلى عن دورها الذي حافظت عليه خلال كل هذه السنين، لا نريد أن يقف الصحفي، الذي يحكمه شرف المهنة، وشرف الانتماء، أمام محاكم شرعية أو مدنية، في قضايا النفع العام، التي ما تلبث أن تتحول إلى قضايا شخصية وذات مصالح ضيقة، لا نريد أن يطرد صحفي من جلسة تناقش سبل النهوض بالتعليم في الدولة أو يمنع من دخول وزارة، لأن صحيفته كتبت مرة عنها كلاماً لم يعجب الوزير أو انتقدت حفنة من الموظفين الكسالى الذين لا يعرفون وين الله حاطنهم ·
علينا أن ننمي هذه العلاقة الجدلية السليمة بين الصحافة ومؤسسات المجتمع، لأنها خدمة جليلة للجميع، وعلى رأسها الوطن، كما علينا أن نكسر حاجز التوجس الوهمي بين المسؤول والصحفي، لقد مرت مرحلة كان الصحفي فيها يخاف الفنش والتسفير، وزعل الوزير، والمسؤول لا يحب من الصحافة إلا الصورة، والصورة الملونة، ويخاف دخول الصحفي إلى منطقته المحظورة، ولو كان هذا الصحفي يريد استخراج بدل فاقد لشهادة ميلاد ابنته مثلاً، التي ضاعت في درج موظف غير فاعل، ويخاف من النقد، ويرهب من الصحافة، ويحب مرؤوسيه حد عدم الإخلاص، نقول هذا متمنين على جمعية الصحفيين أن تفعّل مثل هذا الدور، وتدافع عن قيم حرية الصحافة، وتساهم في تعزيز دور الصحفي في خدمة مجتمعه، وحفظ حقوقه المادية والأدبية، والمهم أيضاً خلق تقاليد مهنية تخدم الجميع ويحترمها الجميع·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء