مع سبق الإصرار رفضت في الساعات الماضية سماع أي كلمات من أي طرف تخص مباراة مصر والجزائر في نصف نهائي بطولة إفريقيا اليوم. لم يعد هناك مجال للكلام حتى لو كان معسولاً. من يريد أن يبرهن على أنها مباراة في كرة القدم ولاشيء غير.. عليه أن يثبت ذلك بالفعل وليس الكلام. “هذا الميدان يا حميدان” هكذا قالت العرب قديماً، في إشارة دالة على التنافس الشريف الذي هو حق لكل البشر.. في كل زمان ومكان. سئمنا من الكلام بكل أنواعه المسموح والمرفوض منذ لقاء تم في الزمن الرديء، وسئمنا من التشكيك، ومن العداوة، ومن الكراهية التي أحدثتها مباراة كروية، ولا نبحث اليوم إلا عن عودة الوعي الذي فقدناه جميعا بعد أحداث أم درمان. ولكي يعود الوعي علينا أن نتعامل معها بحقيقتها، فهي مباراة رياضية لا أكثر من ذلك، سيفرح من يفوز بها لبعض الوقت، وسيتألم من يخسرها لبعض الوقت، ثم ننسى.. نعم مباراة رياضية، لا هي ستصنع من الفائز أسطورة، ولا هي ستصنع من الخاسر أضحوكة، والحياة ستمضي بحلوها ومرها، فلا حلوها يدوم، ولا مرها يدوم، ومنطق الرياضة هو نفسه منطق الحياة، فمن يفوز اليوم يخسر غداً، ومن يخسر اليوم سيفوز غداً. ما زال بعضهم يتحدث عن حشود ستذهب من هنا، وحشود يجب أن تذهب من هناك، ما زالت نظرة البعض حربية وليست رياضية، ما زالت مفاهيم الثأر هي الغالبة ومفاهيم تأكيد الجدارة هي المسيطرة.. ونسي كل هؤلاء أن الحشود لا تصنع الانتصارات، وأن الكلمات المجنونة لا تصنع الانتصارات، وأن التفوق نفسه في أحيان كثيرة لا يصنع هو الآخر الانتصارات. في كرة القدم هناك شيء اسمه ظروف المباراة.. وظروف اللحظة.. والمتغيرات.. والأشياء التي لم تكن في الحسبان.. والتوفيق وعدم التوفيق.. كلها أشياء تتداخل وتحدد مصير المباريات الكروية. آخر الكلام في تقديري الشخصي أن الكرة الآن في ملعب اللاعبين وحدهم.. ومن المهم أن يعلموا أن كرة القدم لا تحب التوتر والعصبية والانفعالات الزائدة وبراكين الغضب والترسبات الهائلة.. ومن سيدخل بهذا المفهوم فسوف ترفضه. من سيلعب الكرة بالمفهوم الذي تحبه فسوف يكسب ودها.. فهي تحب من يتفرغ لها ويركز معها ويضحي من أجلها وينتهز فرصها ويصبر عليها بروح رياضية عالية. وكل الأمنيات أن يفاجئنا اللاعبون بالمعاني الجميلة خلال المباراة وبعدها.. فعلى الفائز أن يتواضع وعلى الخاسر أن يتقبل.. هذا هو السبيل الوحيد للعودة.. حيث طبيعة الأشياء.. والعلاقة الأزلية التي تربط أبناء العروبة