نتوق إلى التمركز حول الذات، ونسعى إلى تضخيم الذات، ونعمل على وضع الآخر في خانة الضد، ونمتنع عن التداخل خشية التلاشي، ونضع الحواجز لكبح اختلاط الماء بالماء، ونبني جسوراً عالية كي لا تطل علينا عيون الغير. هذا هو ديدن كل من يريد أن يقول أنا ومن بعدي الطوفان. هذه سجية كل محتقن مريب وكل منان، مناع لخير الاندماج، وكل مشاء بنميم، وعتل زنيم. خيانة القريب، أو خيانة الصديق، أو حتى خيانة وطن، تبدأ من تورم الأنا وتأزمها، وتفاقمها، وتقيح جلدها، بحيث تصبح كرة جحيمية حارقة إلى درجة الإفناء. عندما تصبح الأنا هكذا مثل بيت من السعف، احترقت أركانه، يلجأ الفرد إلى انتحال شخصية غريبة وعجيبة، وتحت مسميات وأوصاف مختلفة، لكي يمرر مشروع الأنا المأزوم، ولكي يتخلص من عذاب الضمير، ولكي يبرر لنفسه ما يرتكبها من جرائم كارثية بحق الآخر. الذي يخون صديقاً يبني خيانته على مسوغات أن هذا الصديق لا يؤتمن له، وبالتالي لا بد من القضاء عليه قبل أن يقدم على فعل ما يضر بالفرد. ومن يخذل قريباً، فإنه يسف من المقدمات ما يجعله يفسد كل القيم الإنسانية التي تربطه بهذا القريب، ويفعل فعلته وهو مرتاح الضمير. ومن يتجاوز حدود القوانين والأعراف والثوابت، يقوم بزرع أشجار الخيانة الشوكية، ويلصق كل الاتهامات بالوطن ليمرر مشروعه الخياني وهو هادئ البال، ولا يشعر بوخزة قلب، أو ومضة عقل تشير له بوجود الخطأ، ولكي يتمم فعلته المشينة، فإنه يلبس انحرافاته بلباس الدين أو الأخلاق، ويعمل على ذلك، وكأنه إبراهيم عليه السلام الذي حطم الأصنام. والغاية في النهاية، إشباع رغبة الأنا التي انفصلت عن الواقع، وأصبحت كوناً مستقلاً عن المحيط الاجتماعي، وصار الفرد ينزع إلى التخندق عند ذات تكورت مثل شمس أصابها الكسوف، وتغطت بهالة شمعية قاتمة، بحيث لا يرى الفرد إلا نفسه، والعالم من حوله مجرد قصاصات ورقية تالفة لا معنى لها، ولا قيمة. اليوم نشهد الخيانات على مختلف أشكالها، تمزق قماشة الحياة، وتحولها إلى خرق بالية، مرقعة لا تستر عورة، ولا تخفي تجسداً، اليوم نرى هذا التدفق في خيال الخائنين، يمضي مثل حثالة الماء في المستنقعات، ونرى كيف تحترق أوطان، وكيف تموت أعشاب، وكيف تذبل زهور، وكيف يتشرد بشر، وكيف تصبح الأوطان مثل قرى بدائية، لا يسكنها غير المشعوذين، وتجار الخردة السياسية، كل ذلك بيد أنا اتسخت بالأنانية.