صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

التلوث الفكري

التلوث الفكري أشد فتكاً من أي سلاح يهدد المجتمعات الإنسانية، فهو يقضي على مقدراتها وثوابتها الثقافية وموروثها الإنساني والتاريخي· فمنذ فجر التاريخ والبشرية تعاني من الصراعات القبلية، والقطرية، والسياسية، والاقتصادية، والأمم القوية تحاول أن تستولي على منظومة الأمم الضعيفة، وهكذا تتآكل الحضارات، وتندثر بفعل هذا الصراع العنيف، ولكن ما كان يتم في الماضي هو صراع تديره دولة مقابل دولة، وحضارة في مواجهة حضارة، أما اليوم فالصراع يتكرر، ولكن بصيغة مغايرة وبأساليب مختلفة أشد وأنكأ على الحضارة الإنسانية بشكل عام· فصراع اليوم أصبح بين مجموعات وفئات، قلبت الطاولة على النظم والأسس، وسارت هذه المجموعات تضرب القاصي والداني، المجرم والبريء بفوضى غير خلاّقة ولا أخلاقية، واستغلت هذه المجموعات شرائح محددة في المجتمعات، خاصة شريحة الشباب، غارسة فيهم روح العدوانية والعدمية، والحقد السافر، للمجتمعات، مما أدى إلى حالة من الخروج على القيم ومعاقرة كأس المرارات والمخزون العدواني، سعياً للتدمير من أجل التدمير· فطائفة تشهر سيف الدين، وأخرى تشمر عن ساعد مناهض، ويظل الحوار محصوراً على حد السيف· أما الفكرة، فهذه الضالة التي لم يتورع أحد الاتكاء عليها، لمسند وسند ويبقى الرفض من أجل الرفض وإثبات الذات على حساب الآخر، ومهما كلف الأمر من دمار وخراب، وضياع، وتشرد، إلا أن المغالين يستمرئون الغلو طريقة، ويفضلون التمرد على الحقيقة مساراً باتجاه سحق الآخر، ومحق إرادته حتى آخر نَفَسٍ ونفْس· لماذا·· لأن الذي يفكر في الموت قبل الحياة لا يلهمه الموت إلا خلايا ميتة معدومة الحس والضمير·· والذي يفكر في القتل، لا تمنحه أداة القتل إلا لون الدماء وأشياء أخرى لا يراها أحد سواه· هذه هي معضلة الذين ألقوا سلاح المعرفة وتنازلوا عن حقهم في البحث عن فكرة تنمي الأواصر وتضع القواسم المشتركة بين العقول بمختلف مشاربها، وشعابها، وطوائفها ومللها ونحلها· هذه معضلة الذين تؤزمهم فكرة الحوار، وتتعبهم المساحة ما بينهم والآخر، فلا يملكون غير اختصار الطريق بأداة الموت، ولاشيء أسهل من أن يموت الإنسان، ولكن كيف يصنع الحياة له ولغيره؟، فهذه هي القدرة الخارقة الفارقة بين عقل وعقل، وبين فكر وفكر، وبين حضارة وحضارة· وقد نبهنا ديننا كما نبهت الديانات الأخرى الناس إلى الحوار، وإلى التجادل بحس إنساني راق، ورقيق يدحض جل الافتراءات والاختراقات للثوابت التي أسست عليها الحضارات البشرية· نحن بحاجة إلى عالم آخر غير عالمنا بعدما اشتد الخطب وصار الخصب حطب جهنم الذي يشوي أجساد الأبرياء ويكوي أرواحهم، نحن بحاجة إلى فكر جديد، لا يغل ولا يستغل القيم الإنسانية لأغراض وأمراض، مُنِّيَ بها أشخاص صاروا دمامل تنفجر في طريق المجتمعات لتمنع طريق التقدم البشري وتقف عقبة كأداء جرداء من أي اخضرار يشي بالحياة· نحن بحاجة إلى ثقافة تحترم هويات المجتمعات ولا تجعلها حفنة ملح تذوب في بئر الأطماع وضيق الأفق·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كوننا الارتيابي

قبل 16 ساعة

الذائقة

قبل 3 أيام

نظرية الحب

قبل 4 أيام

الوعي بالحرية

قبل 5 أيام

لسنا أحراراً

قبل 6 أيام

تصريحات مضللة

قبل أسبوع
كتاب وآراء