صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الجنرال ضباب

مع بداية فصل الشتاء، يداهمنا الجنرال ضباب، يحتل الفضاء والأرض البهاء، ويمارس سطوة السيطرة على الطرقات، حتى باتت الدروب أضيق من ثقب إبرة، أمام الراكب والراجل·· ولكن بعض السائقين يتمتعون بشجاعة الفرسان ونباهة الشجعان يسيرون في الطرق المدلهمة، وكأنهم يتزحلقون على رمال متحركة، يتحايلون على أنفسهم وعلى غيرهم، ويقودون سياراتهم بسرعات فائقة، يُخيَّل إليك أن هؤلاء يضعون على أعينهم مناظير ليلية، شبيهة بتلك التي تستخدم في الحروب أثناء الغزوات وسط الظلام الدامس، فيشعر الإنسان أمامهم بالخجل والوجل، جرّاء سيره بتؤدة، وسرعات لا تتجاوز الستين كيلومتراً في الساعة، ولا تنكشف لك الحقيقة إلا عندما تشاهد سيارة وقد اقتعدت الرصيف، وقرفصت عجلاتها، ولم تعد تعرف مقدمتها من مؤخرتها، ويخرج السائق من خلال زجاجها المهشم كالفأر المذعور، يصفق بيدي الحسرة والندم، ويلقي باللائمة على هذا الطقس الذي أصبح لا يُطاق، ولا يعترف أبداً بأن هذا العصف بسيارته، وبالمال العام، لم يكن ليصير لولا استهتاره، والقيادة بسرعة لاتسمح بها الرؤية الضبابية· ففي اليوم الضبابي يجب أن تضع يدك على قلبك وأنت تقود سيارتك لأن المجانين كثر، ولأن المتهورين لا يتعظون ولا يعتبرون، ولا يخشون من خطر ولا لومة لائم·· هؤلاء يقودون سياراتهم بلا عقل رشيد، ولا فكر سديد، بل يمضون هكذا، ويقولون للضباب ولمن يسيرون من حولهم افسحوا الطريق للقادم بهوس القيادة السريعة، ودعوه يمضي إلى غايته، ومن لا يفعل فإن مصيره الهلاك والضياع·· بعض قائدي السيارات لا عقل له ولا قلب، يريد أن ينازل الطبيعة ويتحدى تقلباتها بلا وعي ولا رحمة، لأنه من لا يخاف على نفسه، فلن يخاف على الآخرين، ومن فقد عقله، فلن يستطيع أن يميز مدى فداحة الخطر فيما لو تجاوز الحدود المعقولة والمقبولة للسرعة·· من مات قلبه لا يهاب الموت، ولا يلقي أي حساب، لما قد يسبب لنفسه وللآخرين من أخطار وأهوال·· نقول لهؤلاء إن الدولة قد هيأت كل أسباب السلامة لمرتادي الطرق، من شوارع فسيحة، ويافطات توضيحية، وإشارات مرورية، إلا أنها لا تستطيع أن تقول للضباب افسح الطريق لبعض الذين لا يعترفون بالأحوال الجوية ولا بتقلبات الطقس·· تستطيع الدولة أن تفعل كل ما يُريح الناس إلا أنها لا تملك منازلة الطبيعة·· والله قد أعطانا العقل، فلنعترف بحكمة وفطنة وحنكة، عند قيادتنا لهذه الآلة الحديدية الفتاكة التي لا ترحم من لا يرحمها في القيادة، ولا تحترم من لا يحترم الطريق والناس الذين يسيرون على ترابه·· بأن ما يفعله البعض انتحار وإصرار على الموت، واستهتار بالقيم واندحار للأخلاق، وإنكار لحق الطريق علينا كبشر·· ما يفعله البعض خروج على الشيم الإنسانية التي دعت الإنسان بالسير هوناً على الأرض

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء