حين تقرر سهيلة فجأة بعد عمر ليس بالقصير في أعمال التخبيص والهشم، واستطعام اللحم الذي يجاور العظم، أن تتحوَّل من «آكلي اللحوم» إلى المراعي والبراري والقفار، وتستطيب في أكلها الفواكه والخضار، ونصبح نحن وأولادها مشاريع هياكل مثل «غاندي»، وتمنع عن صغارها أكل «الكاندي»، وتحرمني أنا كزوج غير مخلص يحب «القوزي والمندي»، وتحكم علينا أكل اليخضور، وأنواع الحبوب والقشور، وكأننا سنستعد لرحلة فضائية، والآن في حصة تدريبية، حتى اشتهينا التجوال في الشوارع لرؤية إعلانات «الهمبرغر والكوارع»، في حين ترضف هي الغشوة غشوتين، لكي لا تلمحها هي بالعين، فهي اليوم مبتعدة، وعن الدسم ملتهية، وغير مستعدة، فلا ترى من الدنيا إلا الشجر والخضرة والأوراق، ولا تلحظ من الجبال إلا القمم وخضر السهول والهضاب، حتى أصبح فطورنا مثل فطور اليابانيين ماء فاتر، وطحالب لا نعرف أين نبتت، وعصائر أشبه بمحصول البرسيم والجت، وإذا طال صبرنا، وبلغنا حدنا، وجاء الغداء، فإذا هو أشبه بالفخّارة، وكأنها تنقط علينا بالقطّارة، معددة الفوائد من كالسيوم وماغنيسيوم وفيتامينات تجلب النظّارة، وتقوي الشطّارة، فنقوم وقد شبعنا من الكلام، ورضينا به عن لذيذ الطعام، منتظرين العشاء على أحر من جمر الغضا، فإذا به عجائن ولدائن، خالٍ من اللحم ومن الشحم والدسم، ولا يشبع الرضيع، ولا يدفئ الوجيع، لا للعود صالب، ولا للروح شفيع، فقررنا أن نبيت على الطوى، ولا نقبل بأكل الهواء، فعقدنا اجتماعاً على مستوى القاعدة، وقررنا أن نغير أصناف المائدة، فتحايلنا على سهيلة وخططها النباتية، ووضعنا خططاً عظامية، تنبح لها كلاب الحارة، وتئن لها قطط الجارة، ووضعنا عريضة كلها مكر وحيلة، وتلبسنا أثواب التقوى، وأضفينا علينا من حلل الإيمان، ودموع الشكوى، وحين وضعناها في زاوية «اليك»، وفاجأناها بمسألة العيد والأضحية، خاصة أنها الصوامة اللوامة تردف رمضان بالست الصبر، ولا يفوتها الصوم المشبه بصوم الدهر، وتحرص على متابعة مشايخ الفضائيات على الجمر، فكيف لنباتية أن تختار ذبيحتها، وتشهد ذبحها وسلخها وتوزيع لحمها، وتحلي طرف فمها بدسمها، أسقط في يد سهيلة، وكادت أن ترتد عن دين الآباء والأجداد، وتتبع ملة العصر الجديد، وتعاليم حزب الخضر، ومناصري الطبيعة، وأنصار البيئة، فهي الآن في منزلة بين المنزلتين، إما الخضار وعروق النبات وإما الأولاد والبنات، فحنّت، ثم لانت وغنّت، وقبلت بقطيع الأسود الجائعة، وأسراب الكواسر الهائمة.