صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر - 2

ناصر الظاهري

المتعبون في السفر والترحال كثر، ولا بد وأن تصادف أحدهم في رحلة من الرحلات، تجدهم يتصرفون بشكل عادي وتلقائي، ولا ينكرون روح الأنانية الصغيرة التي في داخلهم، ناسين التحلي بروح الفريق الواحد في السفر، لذا يتصرفون دائماً، وكأنهم في بلدانهم، دون حساب الظروف والضرورات:
- من هؤلاء المتعبين في السفر، ذلك الذي يشترط الجودة العالية في لحوم الشعوب، ويظل يوسوس في اللحم الحلال، واللحم الحلال عنده لازم يكون مسمى ومكبّر عليه، هذا كله لا يعرفه، ويكاد لا يعترف به، مثل هذا المرافق في السفر، يظل يحوم بنا على مطاعم أكلها هس ورخيص وأجواؤها ساذجة، ويتذمر من أكل الفنادق الراقية بحجة الحرام بيّن، والحلال بيّن، فلا تكون مهمة رفاق الرحلة الأربعة إلا البحث عن اللحم المسلم الحلال في شوارع ضيقة، تسكنها قطط تمصمص العظام.
- من المتعبين في الترحال، والذين يزايدون على تقوى العباد، ذلك الذي يريد أن يصلي كل صلاة في وقتها، وهو غير المقيم، ويفضل أن يجدد لكل صلاة وضوءها، وتكون أنت مثلاً في مدينة «سانت بطرسبورغ»، وتصلون قصراً وجمعاً في السفر، وصاحبنا لا يدرك أن الله يحب أن تؤتى رخصه مثلما تؤتى عزائمه، ولو كانت صلاة الجمعة لقلنا لا بأس، مرات تلحق عليك أربع صلوات، وأنت تتنقل، وصاحبنا يريد إدراك صلاة الجماعة في مدينة ولا فيها مئذنة، فتكون المهمة المنوطة بنا، السؤال عن بيت الراحة، وبيت الطاعة.
- من المتعبين في التجوال، واحد ليس لديه اطلاع كاف، ولا على صلة بالمعلومة العنكبوتية، تقول له: بنروح موسكو، يقول لك: باردة ما تنطاح، فتقوم وتتذخر بملابس شتوية غلاظ، وحينما تصل تجد أن الجو ملائم، ولا تحتاج لكل تلك البطانيات الوبرية التي ملأت بها حقيبتك، ويضطرك أن تشتري الجديد، ويخسرك القديم، وفي نهاية الأمر يلومك، ويقول: قلت لكم في احتباس حراري في العالم.
- من المتعبين في السفر، قوم «بو شريحتين»، ما إن يصل مطار أي مدينة، حتى يوقف أصدقاءه بحقائبهم في صالات القادمين لشراء شريحة البلد، ويظل يسأل عن أيها أسرع وأرخص وأحسن، وهو لا يجيد لغة البلاد، ولا يحمل عملتها، فيتبرع له الأصدقاء، ويظل يفك ويركب ويجرب، وعفسة مع بائع البطاقات الذي لا يفهم عليه، ولا يعرف ماذا يريد، المشكلة أنه يظل يتسلم رسائل تجارية في هاتفه بلغة البلد، وكل مرة تعالوا ترجموا لي، ويتشكى، الرصيد خلّص، الإرسال ضعيف، شبكتهم تعبانة، واتصالاتهم حرامية، أما المشكلة الأكبر، إذا لم تشتغل الشريحة، فيا ويلنا.. تلك الليلة «لن يبات، ولا سيتركنا نبات»!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء