لا أدري ماذا يمكن أن نسمي سفر العائلات الإماراتية هذا الذي يذهب فيه الأولاد والبنات بمختلف أعمارهم وهم مدججون بأسلحة دمار الذاكرة الشامل، وأعني به الأجهزة الإلكترونية الحديثة التي يتوحد الواحد منهم بها، فلا تفارقه منذ أن يفتح عينيه المجهدتين من السهر والمبيت معها في فراش واحد. أمور لا تصدق! هذه التي تجري مع الأولاد في هذا الوقت، وكلها مدعاة للكسل و«الرخامة»، فلو كحت الجدة، وأرادت شربة ماء، فلن تنهض البنت الصغيرة لتحضرها، ولا سيهبّ الولد قافزاً ليسعفها بشربة ماء، والسبب تلك الأجهزة الإلكترونية التي في أيديهم، والمتعلقة بها أبصارهم، والموقرين آذانهم عن السمع. الأب يجد ويجتهد ليوفر لعائلته إجازة صيفية ممتعة، بغية تنمية مدارك أولاده، وتزويدهم بالمعرفة، وكسب متع وخبرات الحياة، وهم يظلون يشحنون شنطهم بأجهزة التواصل، ويقلقون إذا ما باتت هذه الأجهزة الإلكترونية غير مشحونة، لا أكل جماعياً، ولا صلوات في أوقاتها، حتى الفطور ينهضون له كسالى، ولا يشتهون اللقمة، فما بالك بالحديث الذي يمكن أن يدور حول طاولة الطعام، يبقى الزوج وعجوزه عليها حتى يبرد الأكل، لتعافه النفس، وينهضا يضربان كفاً بكف حسرة وندامة. هذه الأجهزة الذكية تعلم الأولاد الكسل، فلا ينهض الواحد منهم إلا متثاقلاً، ولا يأكل إلا وجبة واحدة وسريعة، ويلتهم المعجنات الجاهزة والمقرمشات، هذا الجيل الطالع أستطيع أن أحلف يميناً أنهم لا يعرفون نشرة الأخبار، ولا يستمعون لها، ولا تهمهم وجودها من عدمها، الأمر الذي يعني نقصاً بمعرفة ما يجري حوله، ناهيك عن قراءة كتاب ولو في الشهر أو تكوين معلومات ذات قيمة عن البلاد التي زارها هذا الصيف. وليت تلك الأجهزة تُخلْق المعارف والمهارات في الحياة، كلها قتل صراصير وحشرات لاصقة أو القفز أعلى الحواجز أو سواقة سيارات سريعة أو السير في تلك المتاهات التي عليك تخطيها والعبور من خلالها أو حروب إبادة لأجناس بشرية ومخلوقات فضائية بأسلحة فتّاكة. تمضي الإجازة، وقد زادت الشقة بين أجيال الأسرة، فلم يتقاربوا، ولَم يتعارفوا، والسبب ذلك التوحد مع الأجهزة الإلكترونية الذكية، فكل واحد جالس على منصة، ويتواصل مع الغرباء والبعيدين من خلال أجهزة التواصل أو أجهزة التنابز، كل حسب عمره، واهتمامه، ولقد حاولت خلال هذا الصيف أن أركز على أصابع وأيدي الأولاد والبنات التي بدت لي متشابهة، وغير معتنى بها، متخشبة، ومعقوفة، وتشبه أطراف «القبقوب» المنقض!