صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أن تكون مملًا هو أن تقول كل شيء (2)

علي أبو الريش

لهذا السبب، نجد الناس اليوم، رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، جلهم غاطسون في بئر وسائل التواصل الاجتماعي، وكلهم يعيشون حالة الإغماءة إلى حد الغثيان.
اليوم قد تصطدم بشخص، ودون أن يدري سوف يتابع طريقه، ولن يعبأ بك، لأنه لا يعلم ماذا حدث له في الطريق، ولأنه يغط في عالم آخر غير عالمك، ولو حاولت تنبيهه فسوف يرفع بصره برهة، ويقول آسف، ثم يمضي في طريقه، غير مكترث بما سببه لك.
هذه ظاهرة عامة، ومنتشرة كالوباء، بين أوساط الناس، ولن تستطيع قوة في الدنيا أن تزيل هذه الظاهرة من الوجود، لأنها أصبحت تسري في الوجدان، كما يسري المرض العضال في الجسد المريض. معلومات بعدد حبات رمل الصحراء تتدفق في العقول، ولكنها معلومات مثل زبد البحر، لا تسمن، ولا تغني، لأنها معلومات قادمة من جهة آبار جف معينها، وأصبحت خواء، يقود خوار، وما يعني الذين انكبوا على معاينة هذه الصفحات الإلكترونية، هو العيش مع أحداث تصب على رؤوسهم مثل مياه المخلفات.
اليوم لو فكر أحد أن يضع المعايير، والضوابط، لهذا الانفلات الأخلاقي، فأعتقد أنه سوف يواجه مصاعب، وعقبات، وعراقيل، تصده عن ممارسة دوره في إيقاف هذا النزيف القيمي.
اليوم أصبح الوجدان الإنساني منتهكاً من قبل عقول ساهمت بشكل مريع في الإطاحة بالثوابت، ومن سيحاول إعادة المياه إلى مجاريها، سيجد نفسه في معمعة المراوغة
والتلاعب، والتهرب، والتسرب، بعيداً عن سلطة القوانين المراد تنفيذها بحق هؤلاء الذين عرفوا من أين تؤكل الكتف، ومن أين تتسرب المياه الضحلة.لا نريد زرع التشاؤم في طريق من يبحث عن الحقيقة، ولكن ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي أشبه بالكارثة الكونية، وما يحدث يحتاج إلى جهود جبارة، تبدأ أولاً بإيضاح ما هي الحرية وكيف يتم التفاعل معها والعيش في كنفها؟لابد من وعي بالحرية، حتى نستطيع كبح جماح من أساؤوا لها، وشوهوا صورتها، واستخدموها كوعاء أو مكب لنفاياتهم.لابد من حركة تنويرية حقيقية، تدحض دور المدعين، والمهرولين باتجاه الفراغات المدلهمة، ولابد من دور لكل مخلص وكل ومحب لحقيقة أن تبقى ساحتنا الثقافية، والاجتماعية نظيفة من غبار الذين يرفسون الفكر رفساً، ويركلون الحقائق ركلاً، ويمضون في الحياة مثل ضباع تشمّ رائحة الجيف.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء