صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الزوجة.. والجوزة

ناصر الظاهري

من الأفلام الجميلة التي يفوتها الوقت على الإنسان فيلم «الزوجة» الرائع المصاغ بحرفية فنية عالية، خاصة الحوار، والأداء التمثيلي، الفيلم يحكي قصة أكاديمي يتعاطى الكتابة الأدبية، يدعى «جوزيف كاسلمان» الذي كان تعيساً في حياته الزوجية الأولى، والتي يظهرها الفيلم من خلال مشهد واحد، أن الزوجة كانت متسلطة، وساخطة، وتعامله بدونية رغم أنهما أنجبا بنتاً، ومن خلال حوار آخر في الفيلم نعرف أن هذه الزوجة الأولى أصبحت طبيبة نفسية، وابنتها متفوقة دراسياً، وأنها تكن للزوجة الثانية «جون» كل الود والشكر، لأنها خلصتها من الحياة مع الكاتب «كاسلمان». الزوجة الثانية «جون» كانت طالبة في الكلية، وعرضت بعض قصصها الواعدة على الأستاذ الجامعي، وعلى كاتبة أخرى، «كاسلمان» طلبها لتكون جليسة لبنته، مع مدح لقصصها، والكاتبة التي كانت متشائمة للغاية، ومتمردة على الحياة، نصحتها بعدم الكتابة، لأنه لا حظ للأنثى في عالم النقاد المحابين والمتملقين، والذين كان الكاتب الروسي «تشيخوف» يصفهم مثل الذباب الذي يؤذي ذيل الحصان.
تتزوج «جون» من مدرسها وكاتبها، بعد طلاقه من زوجته الأولى، وترزق منه بولد تظهر عنده موهبة الكتابة مبكرة، لكنه يجد صداً من الأب، وترحيباً من الأم، ومع بداية حياتهما الأولى، عرفت الزوجة أن دور النشر تريد كاتباً مبدعاً، ويهودياً ليقدموه للعالم، فأشارت عليهم بزوجها الذي كان شبه معروف في الوسط الثقافي، فقدمت لمدير أحد دور النشر بعض الروايات والقصص التي أعجبوا بها، وبدأوا في تلميع اسم «كاسلمان»، وطباعة إنتاجه وترجمته، حتى وصل لفوزه بجائزة «نوبل»، وهنا تبدأ عقدة الفيلم، ويظهر أن الزوجة هي الكاتبة، والزوج هو «الزوجة» في البيت! والرحلة إلى السويد كانت المفاتيح الأولى لكشف أسرار حياة الكاتب الفائز بـ«نوبل»، حيث رافق العائلة المزهوة بالجائزة العالمية أحد النقاد الأدبيين، والذي كان يمنّي نفسه بكتابة السيرة الذاتية للفائز بجائزة «نوبل»، فبدأ بالنبش والتعقيب في حياته، حتى تبين له كم من الأسرار يحيط به، وهي بداية حلّ العقدة الدرامية، فدخل من باب الضعف الإنساني لشخصية الزوجة محاولاً استنطاقها، ودخل من باب الغيرة الأدبية لشخصية الابن، وحاول استنطاقه، وفي الذروة الدرامية يسقط الكاتب نتيجة الضغوط المحيطة به، الخوف من إفشاء سر «نوبل»، والخوف من تعلقه بالمصورة الفوتوغرافية السويدية الشابة التي ترافقه، والتي اكتشفت الزوجة من خلال «جوزة» كتب عليها اسم المصورة الشابة، وهي عادة الكاتب في ذروة إثبات الذات، حين يلاعب الفتيات، كما يلاعب حبة الجوز في يده، خاصة أن الزوجة تعرضت للظروف نفسها، مثل أي حكاية تتكرر، وما زاد الخوف لدى الكاتب أن «الزوجة» هي صندوق الأسرار التي تعرفها عن حياته الأدبية والاجتماعية، فعلا النقاش بينهما والمشاجرة التي أدت لتعرض الكاتب لأزمة قلبية مفاجئة، وتوفي، لكن الزوجة قفلت ذاك الصندوق، وهددت الناقد والابن من فتحه للعلن، ميزة الأفلام الجميلة أنها تسكن صدرك ورأسك، ولا تبرح مكانها.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء