وجوه تحضر وتستقر، وتستوليك، وتحتلك، كأنك بيت مهجور، تجلس فيك وتفتش في أوراقك القديمة، وتفتح أدراجك التي خبأتها كي لا يلمسها من لا يعرف تاريخها، تحاول أن تعيد القراءة، بعض الأوراق بهت لونها واصفرَّت صفحاتها، كما أنت في عزلتك تفقد بعض التفاصيل، لكنك لم تنس أصل الحكاية، فكلها مخبوء في أوراق الذاكرة مثل عرجون قديم، تلوت أعواده لكنها لم تبلَ تماماً كما تصورت حين أعلنت الذهاب إلى مناطق الصقيع، وكما فكرت وأنت صبي غر أنك تستطيع أن تهمل أشياءك الصغيرة، وتعود فذاً يافعاً يحلم بنهر يحيط فناء منزله، والأشجار معلقة عند نافذة غرفته، ولكن هذه الوجوه ربما رسمت لها صورة في دمك، وأصبحت جزءاً من هذا الوريد الذي يرسل الدماء إلى قلبك المنهك، كما هي الأوراق التي بدت صامدة إلى حتى هذا الوقت من العمر، العمر الذي هو مثل أعمار الأشياء التالفة، لكنها لم تزل تحتفظ ببعض ملامحها، وتقول للأبناء: هيا اقطفوا من ثمرات الحياة، قبل أن تذبل، ولكن لا تحطموا الأغصان، ولا تقطعوا الأوراق، إنها الدليل الوحيد على وجود شجرة في يوم ما، كانت هنا ولم تزل تعرقل الذاكرة، كلما مرت بها صورة لامرأة ما، كانت على ساحل القلب تصطاد سمكات الحظ، وكان البحر حارساً أميناً لخفقات قلبك، وأنت ترقب ما تحت الرمل من بلل يخفف من لوعة الحرمان، ويهدئ من ضربات الموج على قيعان الوجد الأزلي، وأنت ترسم صورة الأيام المقبلة، والأيام مثل أجنحة الفراشات تهفهف على وجهك، وهي في طريقها إلى أكمام الورود، ثم تذهب ولا تلمس أنت سوى الصورة. تتذكر زقاقاً ما، أو حارة، أو حتى بيتاً، هو أشبه ببيت الشعر الذي لم يعرف كاتبه، تتذكر وتعود بك الصور من جديد، وكأنك في المهد صبياً، لا تبدو الوجوه مثلما كانت، ولكنها تحتويك، تأخذك إلى منازل بعيدة، وإلى جبال وبحار، تخضك خضاً، وترضك رضاً، وتوقعك في المأزق نفسه تعود وكأنك في أول العمر، يتصبب جبينك عرقاً، وترتجف يداك، وتغرق عيناك ببريق التساؤل، من أنا؟ هل أصبحت في المنزل نفسه، يوم رأيت الوجه لأول مرة وأنت ابني، شعور بولادة مصير جديد غير الذي عشته في السنوات التي تلت الوجع الأزلي. رجعت مرة ثانية أبحث في الأوراق، وأنبش في قبر الذاكرة لعل وعسى أظفر بوعي جديد ينتشلني من حلم لا طائل منه، إنه مجرد حلم، والأحلام لا تجسر على مقاومة ما فعلته الأيام، الأيام مثل البحر، تغرق الأشياء ولا تلتفت إلى الوراء، لكي ترى ما الذي التهمته موجاتها العارمة.